البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٣ - ثم دخلت سنة خمس و تسعين و مائتين
أحمد بأربعة آلاف، و يصله أهل سمرقند بأربعة آلاف فينفق ذلك كله، فقيل له: لو ادخرت شيئا لنائبة، فقال: سبحان اللَّه أنا كنت بمصر أنفق فيها في كل سنة عشرين درهما فرأيت إذا لم يحصل لي شيء من هذا المال لا يتهيأ لي في السنة عشرون درهما. و كان محمد بن نصر المروزي إذا دخل على إسماعيل بن أحمد الساماني ينهض له و يكرمه، فعاتبه يوما أخوه إسحاق، فقال له: تقوم لرجل في مجلس حكمك و أنت ملك خراسان؟ قال إسماعيل: فبت تلك الليلة و أنا مشتت القلب من قول أخى- و كانوا هم ملوك خراسان و ما وراء النهر- قال: فرأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في المنام و هو يقول:
«يا إسماعيل ثبت ملكك و ملك بنيك بتعظيمك محمد بن نصر، و ذهب ملك أخيك باستخفافه بمحمد ابن نصر». و قد اجتمع بالديار المصرية محمد بن نصر. و محمد بن جرير الطبري. و محمد بن المنذر، فجلسوا في بيت يكتبون الحديث و لم يكن عندهم في ذلك اليوم شيء يقتاتونه، فاقترعوا فيما بينهم أيهم يخرج يسعى لهم في شيء يأكلونه، فوقعت القرعة على محمد بن نصر هذا فقام إلى الصلاة فجعل يصلى و يدعو اللَّه عز و جل، و ذلك وقت القائلة، فرأى نائب مصر- و هو طولون و قيل أحمد بن طولون- في منامه في ذلك الوقت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو يقول له: «أدرك المحدثين فإنهم ليس عندهم ما يقتاتونه».
فانتبه من ساعته فسأل: من هاهنا من المحدثين؟ فذكر له هؤلاء الثلاثة، فأرسل إليهم في الساعة الراهنة بألف دينار، فدخل الرسول بها عليهم و أزال اللَّه ضررهم و يسر أمرهم. و اشترى طولون تلك الدار و بناها مسجدا و جعلها على أهل الحديث و أوقف عليها أوقافا جزيلة.
و قد بلغ محمد بن نصر سنا عالية و كان يسأل اللَّه ولدا فأتاه يوما إنسان فبشّره بولد ذكر، فرفع يديه فحمد اللَّه و أثنى عليه و قال: الحمد للَّه الّذي وهب لي على الكبر إسماعيل، فاستفاد الحاضرون من ذلك عدة فوائد: منها أنه قد ولد له على الكبر ولد ذكر بعد ما كان يسأل اللَّه عز و جل، و منها أنه سمى يوم مولده كما سمى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ولده إبراهيم يوم مولده قبل السابع، و منها اقتداؤه بالخليل أول ولد له بإسماعيل.
موسى بن هارون بن عبد اللَّه أبو عمران المعروف والده بالحمال، ولد سنة أربع عشرة و مائتين و سمع أحمد بن حنبل و يحيى بن معين و غيرهما، و كان إمام عصره في حفظ الحديث و معرفة الرجال، و كان ثقة متقنا شديد الورع عظيم الهيبة، قال عبد الغنى بن سعيد الحافظ المصري: كان أحسن الناس كلاما على الحديث، أثنى عليه على بن المديني ثم موسى بن هارون ثم الدار قطنى.
ثم دخلت سنة خمس و تسعين و مائتين
فيها كانت المفاداة بين المسلمين و الروم، و كان من جملة من استنقذ من أيدي الروم من نساء و رجال نحوا من ثلاثة آلاف نسمة، و في المنتصف من صفر منها كانت وفاة إسماعيل بن أحمد