البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٠ - ثم دخلت سنة ثلاث و تسعين و مائتين
آثارا حسنة و أفعالا جميلة، (رحمه اللَّه).] [١]
ثم دخلت سنة ثلاث و تسعين و مائتين
فيها التفت على أخى الحسين القرمطى المعروف بذي الشامة الّذي قتل في التي قبلها خلائق من القرامطة بطريق الفرات، فعاث بهم في الأرض فسادا، ثم قصد طبرية فامتنعوا منه فدخلها قهرا فقتل بها خلقا كثيرا من الرجال، و أخذ شيئا كثيرا من الأموال، ثم كر راجعا إلى البادية، و دخلت فرقة أخرى منهم إلى هيت فقتلوا أهلها إلا القليل، و أخذوا منها أموالا جزيلة حملوها على ثلاثة آلاف بعير، فبعث إليهم المكتفي جيشا فقاتلوهم و أخذوا رئيسهم فضربت عنقه. و نبغ رجل من القرامطة يقال له الداعية باليمن فحاصر صنعاء فدخلها قهرا و قتل خلقا من أهلها، ثم سار إلى بقية مدن اليمن فأكثر الفساد و قتل خلقا من العباد، ثم قاتله أهل صنعاء فظفروا به و هزموه، فأغار على بعض مدنها، و بعث الخليفة إليها مظفر بن حجاج نائبا، فسار إليها فلم يزل بها حتى مات. و في يوم عيد الأضحى دخلت طائفة من القرامطة إلى الكوفة فنادوا: يا ثارات الحسين- يعنون المصلوب في التي قبلها ببغداد- و شعارهم: يا أحمد يا محمد- يعنون الذين قتلوا معه- فبادر الناس الدخول من المصلى إلى الكوفة فدخلوا خلفهم فرمتهم العامة بالحجارة فقتلوا منهم نحو العشرين رجلا، و رجع الباقون خاسئين. و فيها ظهر رجل بمصر يقال له الخليجي فخلع الطاعة و اجتمع إليه طائفة من الجند فأمر الخليفة أحمد بن كنغلغ نائب دمشق و أعمالها فركب إليه فاقتتلا بظاهر مصر فهزمه الخليجي هزيمة منكرة، فبعث إليه الخليفة جيشا آخر فهزموا الخليجي و أخذوه فسلم إلى الأمير الخليفة و انطفأ خبره و اشتغل الجيش بأمر الديار المصرية، فبعث القرامطة جيشا إلى بصرى صحبة رجل يقال له عبد اللَّه بن سعيد كان يعلم الصبيان، فقصد بصرى و أذرعات و البثنية فحاربه أهلها ثم أمّنهم فلما أن تمكن منهم قتل المقاتلة و سبى الذرية، و رام الدخول إلى دمشق فحاربه نائب دمشق أحمد بن كنغلغ، و هو صالح بن الفضل، فهزمه القرمطى و قتل صالح فيمن قتل و حاصر دمشق فلم يمكنه فتحها، فانصرف إلى طبرية فقتلوا أكثر أهلها و نهبوا منها شيئا كثيرا كما ذكرنا، ثم ساروا إلى هيت ففعلوا بها ذلك كما تقدم، ثم ساروا إلى الكوفة في يوم عيد الأضحى كما ذكرنا. كل ذلك بإشارة زكرويه بن مهرويه و هو مختف في بلده بين ظهراني قوم من القرامطة، فإذا جاءه الطلب نزل بئرا قد اتخذها ليختفى فيها و على بابه تنور فتقوم امرأة فتسجره و تخبز فيه فلا يشعر به أصلا، و لا يدرى أحد أين هو، فبعث الخليفة إليه جيشا فقاتلهم زكرويه بنفسه و من أطاعه فهزم جيش الخليفة و غنم من أموالهم شيئا كثيرا جدا فتقوى به و اشتد أمره، فندب الخليفة إليه جيشا آخر كثيفا فكان من أمره
[١] زيادة من المصرية.