التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٩٠ - ما اصطحبه آدم عند الهبوط
سنة من يوم كان مقداره اثنتي عشرة ساعة، و اليوم ألف سنة ممّا يعدّ أهل الدنيا. فأهبط آدم على جبل بالهند يقال له نوذ[١]، و أهبطت حوّاء بجدّة، فنزل آدم معه ريح الجنّة فعلق بشجرها و أوديتها فامتلأ ما هنالك طيبا، فمن ثمّ يؤتى بالطيب من ريح آدم. و قالوا: أنزل معه من طيب الجنّة أيضا، و أنزل معه الحجر الأسود، و كان أشدّ بياضا من الثلج، و عصا موسى و كانت من آس الجنّة، طولها عشرة أذرع على طول موسى ... ثمّ أنزل عليه بعد السندان و الكلبة و المطرقتان، فنظر آدم حين أهبط على الجبل إلى قضيب من حديد نابت على الجبل فقال: هذا من هذا! فجعل يكسر أشجارا قد عتقت و يبست بالمطرقة، ثمّ أوقد على ذلك القضيب حتّى ذاب، فكان أوّل شيء ضرب منه مدية، فكان يعمل بها، ثمّ ضرب التنّور و هو الّذي ورثه نوح، و هو الّذي فار بالهند بالعذاب!
فلمّا حجّ آدم وضع الحجر الأسود على أبي قبيس، فكان يضيء لأهل مكّة في ليالي الظلم كما يضيء القمر، فلمّا كان قبيل الإسلام بأربع سنين، و قد كان الحيّض و الجنب يعمدون إليه يمسحونه فاسودّ، فأنزلته قريش من أبي قبيس، و حجّ آدم من الهند أربعين حجّة إلى مكّة على رجليه.
و كان آدم حين أهبط يمسح رأسه السماء، فمن ثمّ صلع و أورث ولده الصلع، و نفرت من طوله دوابّ البرّ فصارت وحشا من يومئذ.
و كان آدم و هو على ذلك الجبل قائما يسمع أصوات الملائكة، و يجد ريح الجنّة. فحطّ من طوله ذلك إلى ستّين ذراعا، فكان ذلك طوله حتّى مات.
و لم يجمع حسن آدم لأحد من ولده إلّا ليوسف عليه السّلام، و أنشأ آدم يقول: ربّ كنت جارك في دارك ليس لي ربّ غيرك و لا رقيب دونك، آكل فيها رغدا و أسكن حيث أحببت، فأهبطتني إلى هذا الجبل المقدّس، فكنت أسمع أصوات الملائكة، و أراهم كيف يحفّون بعرشك، و أجد ريح الجنّة و طيبها. ثمّ أهبطتني إلى الأرض و حططتني إلى ستّين ذراعا، فقد انقطع عنّي الصوت و النظر، و ذهب عنّي ريح الجنّة! فأجابه اللّه تبارك و تعالى: لمعصيتك يا آدم فعلت ذلك بك!
فلمّا رأى اللّه عرى آدم و حوّاء، أمره أن يذبح كبشا من الضأن من الثمانية الأزواج الّتي أنزل اللّه من الجنّة، فأخذ آدم كبشا و ذبحه، ثمّ أخذ صوفه فغزلته حوّاء و نسجه هو، فنسج آدم جبّة لنفسه، و جعل لحوّاء درعا و خمارا فلبساه. و قد كانا اجتمعا بجمع فسمّيت «جمعا» و تعارفا بعرفة فسمّيت
[١] نوذ: جبل بسرنديب، عنده مهبط آدم، و هو أخصب جبل في الأرض. معجم البلدان ٤: ٨٢٢.