التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٨ - سورة البقرة(٢) آية ٣٦
فلمّا دخل الجنّة وقف بين يدي آدم و حوّاء، و هما لا يعلمان أنّه إبليس، فبكى و ناح نياحة أحزنتهما، و هو أوّل من ناح، فقالا له: ما يبكيك؟ قال: أبكي عليكما تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة، فوقع ذلك في أنفسهما فاغتمّا و مضى إبليس عنهما ثمّ أتاهما بعد ذلك فقال: يا آدم هل أدلّك على شجرة الخلد، فأبى أن يقبل منه، و قاسمهما باللّه إنّه لهما لمن الناصحين، فاغترّا، و ما ظنّا أنّ أحدا يحلف باللّه كاذبا. فبادرت حوّاء إلى الأكل من الشجرة ثمّ ناولت آدم حتّى أكل منها[١].
[٢/ ١٢٥٠] و أخرج ابن جرير عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم: أنّ آدم حين دخل الجنّة و رأى ما فيها من الكرامة و ما أعطاه اللّه منها، قال: لو أن خلدا كان! فاغتنمها منه الشيطان لمّا سمعها منه، فأتاه من قبل الخلد[٢].
[٢/ ١٢٥١] و عنه أيضا قال: حدّثت أنّ أوّل ما ابتدأهما به من كيده إيّاهما أنّه ناح عليهما نياحة أحزنتهما حين سمعاها، فقالا له: ما يبكيك؟ قال: أبكي عليكما تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة و الكرامة. فوقع ذلك في أنفسهما. ثمّ أتاهما فوسوس إليهما، فقال: يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَ مُلْكٍ لا يَبْلى[٣] و قال: ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ. وَ قاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ[٤] أي تكونا ملكين أو تخلدا، إن لم تكونا ملكين، في نعمة الجنّة فلا تموتان. يقول اللّه جلّ ثناؤه: فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ[٥].[٦]
[٢/ ١٢٥٢] و عن سلمة، قال: قال ابن إسحاق في ذلك، و اللّه أعلم، كما قال ابن عبّاس و أهل التوراة: إنّه خلص إلى آدم و زوجته[٧] بسلطانه الّذي جعل اللّه له ليبتلي به آدم و ذرّيّته، و أنّه يأتي ابن آدم في نومته و في يقظته و في كلّ حال من أحواله، حتّى يخلص إلى ما أراد منه، حتّى يدعوه إلى المعصية، و يوقع في نفسه الشهوة و هو لا يراه، و قد قال اللّه: فوسوس لهما الشيطان فأخرجهما ممّا
[١] البغوي ١: ١٠٦؛ الوسيط ١: ١٢٢، بلفظ:« إنّما رآهما على باب الجنّة، لأنّهما كانا يخرجان من الجنّة».
[٢] الطبري ١: ٣٣٨/ ٦٢٣؛ تاريخ الطبري ١: ٧٤، و فيه: قال: لو أنّا خلدنا، فاغتمز فيها منه الشيطان. يقال: اغتمز عليه الكلمة: استضعفها و وجد فيها الغميزة في نفس آدم أي نقطة ضعف يمكنه التسرّب منها إليه.
[٣] طه ٢٠: ١٢٠.
[٤] الأعراف ٧: ٢٠- ٢١.
[٥] الأعراف ٧: ٢٢.
[٦] الطبري ١: ٣٣٨- ٣٣٩/ ٦٢٤؛ تاريخ الطبري ١: ٧٤.
[٧] يقال: خلص إليه أي أتاه خفية و من حيث لا يشعر.