التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٥ - السبق إلى الإيمان
و لا يتقدّم مسبوق سابقا و لا مفضول فاضلا، تفاضل بذلك أوائل هذه الامّة و أواخرها، و لو لم يكن للسابق إلى الإيمان فضل على المسبوق، للحق آخر هذه الامّة بأوّلها، نعم و لتقدّموهم إذا لم يكن لمن سبق إلى الإيمان الفضل على من أبطأ عنه، و لكن بدرجات الإيمان قدّم اللّه السابقين، و بالإبطاء عن الإيمان أخّر اللّه المقصّرين، لأنّا نجد من المؤمنين من الآخرين من هو أكثر عملا من الأوّلين و أكثرهم صلاة و صوما و حجّا و زكاة و جهادا و إنفاقا، و لو لم يكن سوابق يفضّل بها المؤمنون بعضهم بعضا عند اللّه، لكان الآخرون بكثرة العمل مقدّمين على الأوّلين، و لكن أبى اللّه أن يدرك آخر درجات الإيمان أوّلها، و يقدّم فيها من أخّر اللّه أو يؤخّر فيها من قدّم اللّه. قلت: أخبرني عمّا ندب اللّه المؤمنين إليه من الاستباق إلى الإيمان، فقال: قول اللّه- عزّ و جلّ-: سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ[١] و قال: وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ[٢] و قال: وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ[٣] فبدأ بالمهاجرين الأوّلين على درجة سبقهم، ثمّ ثنّى بالأنصار ثمّ ثلّث بالتابعين لهم بإحسان، فوضع كلّ قوم على قدر درجاتهم و منازلهم عنده، ثمّ ذكر ما فضّل اللّه به أولياءه بعضهم على بعض، فقال- عزّ و جلّ-: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ إلى آخر الآية[٤] و قال: وَ لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ[٥] و قال: انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَ لَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَ أَكْبَرُ تَفْضِيلًا[٦] و قال: هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ[٧] و قال: وَ يُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ[٨] و قال: الَّذِينَ آمَنُوا وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ[٩] و قال: وَ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً. دَرَجاتٍ مِنْهُ وَ مَغْفِرَةً وَ رَحْمَةً[١٠] و قال: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَ قاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ
[١] الحديد ٥٧: ٢١.
[٢] الواقعة ٥٦: ١٠ و ١١.
[٣] التوبة ٩: ١٠٠.
[٤] البقرة ٢: ٢٥٣.
[٥] الإسراء ١٧: ٥٥.
[٦] الإسراء ١٧: ٢١.
[٧] آل عمران ٣: ١٦٣.
[٨] هود ١١: ٣.
[٩] التوبة ٩: ٢٠.
[١٠] النساء ٤: ٩٦.