التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦ - مقاصد سورة البقرة و أهدافها
و نزلت خلالها سور و آيات، تراها على طولها منتظمة على أسلوب رتيب: مقدمة لا بدّ منها- في عشرين آية- ثمّ دعوة- في قريب من مائة و عشرين آية- و بعده تشريع- في قريب من مائة و أربعين آية- و ختام في ثلاث آيات و بذلك تكتمل السورة على أحسن انسجام.
أمّا المقدمة ففي بيان طوائف الناس و مواقفهم تجاه دعوة الأنبياء، فمن متعهّد يخضع للحقّ الصريح، أو معاند يجحد بآيات اللّه، أو منافق مراوغ يحاول الخداع و الالتواء اللئيم.
أمّا الشك و الارتياب عن سلامة قصد، فهذا ينفيه القرآن الكريم، و لا مجال له بعد وضوح دلائل الحقّ و وفور آياته. ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ[١].
و بعد ذلك يأتي دور الدعوة، بتوجيه نداء عامّ إلى الملأ من الناس كافّة يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ...[٢] و دعمها بدلائل و براهين و شواهد من سابق حياة الإنسان، و لا سيّما دور بني اسرائيل و سوء تصرّفهم في الحياة الدينيّة، بما أورثهم العار و الشنار و تلك هي الأمّة الوحيدة الّتي تعرفها العرب و لهم معها نسب قريب.
ثمّ يأتي دور التشريع[٣] و يتقدّمه الحديث عن الكعبة و تشريفها، و بيان النسخ في الشرائع، فيبتدئ بقضيّة تحويل القبلة، و تشريع الحجّ و الجهاد و القتال في سبيل اللّه، و الصوم و الزكاة و الاعتكاف، و النكاح و الطلاق و العدد، و المحيض و الرضاع و الأيمان، و الوصيّة و الدّين و الرّبا، و التجارة الحاضرة[٤].
ثمّ ختام في ثلاث آيات، و بذلك تنتهي السورة في انسجام و وئام بديع.
هذه هي الصبغة العامّة للسورة، و في ضمنها الاستطراق إلى عدّة مواضيع بالمناسبة، كما هي طريقة القرآن في جمعه لشتات الأمور، و لكن في وحدة موضوعيّة شاملة.
و في ختام السورة جاء الحديث عن ملكوت السماوات و الأرض، و علمه تعالى بما في الصّدور، فيحاسب عباده على مدى نيّاتهم في مزاولة الأمور. و الحديث عن إيمان الرسول بما أنزل عليه، و المؤمنون على أثره، و أن لا تكليف بغير المستطاع، و لا بدّ من الاستغفار على التفريط في
[١] تنتهي المقدمة بالآية رقم ٢٠.
[٢] تبتدئ الدعوة بالآية رقم ٢١ و تنتهي برقم ١٤١.
[٣] من الآية رقم: ١٤٢.
[٤] و تنتهي بالآية رقم: ٢٨٣.