التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٣ - ملحوظة
له ذرّيّة يفسدون في الأرض و يتحاسدون و يقتل بعضهم بعضا. فأضاف الإفساد و سفك الدماء بغير حقّها إلى ذرّيّة خليفته دونه، و أخرج منه خليفته.
و هذا التأويل و إن كان مخالفا في معنى الخليفة ما حكي عن الحسن من وجه، فموافق له من وجه. فأمّا موافقته إيّاه فصرف متأوّليه إضافة الإفساد في الأرض و سفك الدماء فيها إلى غير الخليفة. و أمّا مخالفته إيّاها فإضافتهم الخلافة إلى آدم بمعنى استخلاف اللّه إيّاه فيها، و إضافة الحسن الخلافة إلى ولده بمعنى خلافة بعضهم بعضا، و قيام قرن منهم مقام قرن قبلهم، و إضافة الإفساد في الأرض و سفك الدماء إلى الخليفة.
و الّذي دعا المتأوّلين قوله: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً في التأويل الّذي ذكر عن الحسن إلى ما قالوا في ذلك، أنّهم قالوا: إنّ الملائكة إنّما قالت لربّها إذ قال لهم ربّهم: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ إخبارا منها بذلك عن الخليفة الّذي أخبر اللّه- جلّ ثناؤه- أنّه جاعله في الأرض لا غيره؛ لأنّ المحاورة بين الملائكة و بين ربّها عنه جرت. قالوا: فإذا كان ذلك كذلك، و كان اللّه قد برّأ آدم من الإفساد في الأرض و سفك الدماء و طهّره من ذلك، علم أنّ الّذي عني به غيره من ذرّيّته، فثبت أنّ الخليفة الّذي يفسد في الأرض و يسفك الدماء هو غير آدم، و أنّهم ولده الّذين فعلوا ذلك، و أنّ معنى الخلافة الّتي ذكرها اللّه إنّما هي خلافة قرن منهم قرنا غيرهم لما وصفنا. و أغفل قائلو هذه المقالة و متأوّلو الآية هذا التأويل سبيل التأويل، و ذلك أنّ الملائكة إذ قال لها ربّها: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً لم تضف الإفساد و سفك الدماء في جوابها لربّها إلى خليفته في أرضه، بل قالت: أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها، و غير منكر أن يكون ربّها أعلمها أنّه يكون لخليفته ذلك ذرّيّة يكون منهم الإفساد و سفك الدماء، فقالت: يا ربّنا أ تجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء؟ كما قال ابن مسعود و ابن عبّاس، و من حكينا ذلك عنه من أهل التأويل[١].
*** و هناك قول بأنّ اللّه هو أعلمهم بذلك، كما في الحديث عن قتادة:
[٢/ ٩٥٤] أخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها قال: كان اللّه أعلمهم إذا كان في الأرض خلق أفسدوا فيها و سفكوا الدماء، فذلك قوله: أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها.
[١] الطبري ١: ٢٨٧- ٢٩٠.