التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٢ - كلام عن ضرب الأمثال في القرآن
مظهر العيان و حكاية عن أمر واقع، و ليس مجرّد تخييل صوّرته الأوهام. و هو أسلوب من أساليب البلاغة في البيان، دفعت إليه حاجة العقل البشري عند ما حاول دعم البرهان بشاهد العيان.
انظر إلى قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ.
وَ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ تَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ[١].
إنّه سبحانه و تعالى يريد أن يبيّن للناس أنّ الصدقة الّتي تبذل رياء و الّتي يتبعها المنّ و الأذى لا تثمر شيئا و لا تتبقّى، فينقل هذا المعنى المجرّد في صورة حسّيّة متخيّلة على النهج الّذي جاء في الآية:
فمثله كمثل صفوان (صخرة صمّاء ملساء) غطّته طبقة خفيفة من التراب الناعم، قد يزعم الزاعم إمكان الخصوبة عليه، فإذا بوابل (مطر غزير ذو قطرات ثقيلة) أصابه بشدّة و أزال كلّ ما عليه من ضعيف الرجاء في الخصوبة. فبدلا من أن يعدّه للخصب و النماء- كما هو شيمة الأرض تجودها السماء- و كما هو منظور، فإذا هو يتركه صلدا و تذهب تلك الطبقة الخفيفة الّتي كانت تستره و تخيّل فيه الخير و الخصوبة.
ثمّ يمضي في التصوير لإبراز المعنى المقابل للرياء:
... كمثل جنّة بربوة (هضبة: أرض مرتفعة ذات خصوبة و بركة) أصابها مطر غزير فآتت أكلها (ثمرها) ضعفين.
فالصدقات الّتي تنفق ابتغاء مرضاة اللّه هي في هذه المرّة كجنّة، لا كحفنة من تراب، و إذا كانت حفنة التراب هناك على وجه صفوان، فالجنّة هنا فوق ربوة.
و هكذا الوابل كان مشتركا بين الحالتين، و لكنّه في الحالة الأولى يمحو و يمحق، و في الحالة الثانية يربي و يخصب.
[١] البقرة ٢: ٢٦٤- ٢٦٥.