التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٩ - كلام عن ضرب الأمثال في القرآن
فقد كلّفوا حمل أمانة اللّه في الأرض، لكن القلوب الحيّة الواعية هي الّتي تطيق عبء هذه الأمانة، و قد افتقدها هؤلاء فلم يصلحوا لحملها و مرافقتها.
*** و إن كان حجاجا كان برهانه أنور، و سلطانه أقهر، و بيانه أبهر. قال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَ إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ[١].
و قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ[٢].
قال ابن معصوم- في قوله تعالى: أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ[٣]-: إنّه من التمثيل اللطيف، مثّل الاغتياب بأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله، ثمّ لم يقتصر عليه حتّى جعله لحم الأخ و جعله ميّتا، و جعل ما هو في غاية الكراهة موصولا بأخيه. ففيه أربع دلالات واقعة على ما قصدت له مطابقة المعنى الّذي وردت لأجله:
أمّا تمثيل الاغتياب بأكل لحم المغتاب فشديد المناسبة جدّا، لأنّه ذكر مثالب الناس و تمزيق أعراضهم.
و أمّا قوله: لَحْمَ أَخِيهِ فلما في الاغتياب من الكراهة، و قد اتّفق العقل و الشرع على استكراهه.
و أمّا قوله مَيْتاً فلأجل أنّ المغتاب لا يشعر بغيبته و لا يحسّ بها[٤].
*** قال الشيخ عبد القاهر: و إن كان افتخارا كان شأوه أبعد، و شرفه أجدّ، و لسانه ألذّ، قال تعالى:
وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَ تَعالى
[١] العنكبوت ٢٩: ٤١.
[٢] البقرة ٢: ٢٦٤.
[٣] الحجرات ٤٩: ١٢.
[٤] أنوار الربيع ٣: ١٧٩.