التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٨ - كلام عن ضرب الأمثال في القرآن
و قوله تعالى: وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ[١] شبّه الأولاد بأفراخ الطير تستذلّ لدى والديها تستطعمهما و تسترحمهما، و دليلا على ذلك تبسط أجنحتها على الأرض خفضا و ذلّا، و هي من المبالغة في التشبيه و تصوير حالة الذلّ في موضع ينبغي الذلّ فيه بمكان.
و قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ[٢] لو اعتبرنا التشبيه في جملة «فاصدع» فقد شبّهت شوكة المشركين و هيبتهم بصرح زجاجي، و شبّهت الدعوة بمصادمة هذا الصرح، و شبّه التأثير البليغ بالصدع، و هو الأثر البيّن في الزجاجة المصدومة.
و هذا من تشبيه عدّة أشياء بأشياء مع إفاضة الحركة و الفعل و الانفعال. فقد شبّه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في إبلاغ دعوته للمشركين بمن يرمي بقذائفه إلى قلاع مبنيّة من زجاجات سريعة التكسّر و الانهيار.
*** قال: و إن كان ذمّا كان مسّه أوجع و ميسه ألذع، و وقعه أشدّ و حدّه أحدّ، كما جاء في قوله تعالى- في تصوير حالة من أوتي الهداية فرفضها لغيّه و انسلخ منها-: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ[٣] إنّه من التمثيل الرائع و في نفس الوقت لاذع، إنّه يمثّل مشهد إنسان يؤتيه اللّه آياته و يخلع عليه من فضله و يعطيه الفرصة للاكتمال و الارتفاع ... و لكن، ها هو ذا ينسلخ من هذا كلّه انسلاخا، كمن ينسلخ عن أديم جلده بجهد و مشقّة، و يتجرّد من الغطاء الواقي و الدرع الحامي، و يهبط من الافق العالي إلى سافل الأرض، فيصبح غرضا للشيطان، لا وقاية و لا حمى، و إذا هو العوبة أو كرة قدم تتقاذفه الأقدار، لا إرادة له و لا اختيار، فمثله كمثل كلب هراش لا صاحب له، و يلهث[٤] من غير هدف. و يتضرّع من غير أن يجد من يشفق عليه.
و هكذا جاء تصويره لمن حمّل ثقل الحقّ و لا يهتدي به بالحمار يحمل أسفارا، هي أفضل ودائع الإنسان، يئنّ بثقلها و لا يعي شرف محتواها: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً[٥].
[١] الإسراء ١٧: ٢٤.
[٢] الحجر ١٥: ٩٤.
[٣] الأعراف ٧: ١٧٦.
[٤] اللهث: دلع اللسان عطشا أو تعبا.
[٥] الجمعة ٦٢: ٥.