التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٠ - ملحوظة
ملحوظة
ما نجده من أوصاف جاءت عن أحوال الآخرة و وصف نعيمها و جحيمها، إنّما هي تمثيلات و تشبيهات تحمل معاني أخر غير ظاهرها، و هي في عين الواقعيّة تمثّل أمورا تفوق تصوّرات الإنسان و هو على سطح البسيطة، الأمر الّذي لا يعني أن لا واقعيّة لها، بل هي حقائق راهنة جاءت في قالب التشبيه و التنظير.
فكما أنّ الماء الغدق يطلق على العلم النافع و الهدى الشامل، إطلاقا شائعا بالمجاز و الاستعارة، مع الحفاظ على واقعيّة المستعار له و أصالته الذاتيّة، كذلك التعابير المجازيّة عن نعم الآخرة و ملاذّها و كذا شدائد عقوباتها، كانت بالمجاز و الكناية، تشبيها و تنظيرا.
نعم هي حقائق تتحمّل مثل هذه التعابير، و إن لم تكن بنفس معانيها المعهودة في عالم الدنيا.
كما أنّ العلم يتحمّل إطلاق الماء عليه، إطلاقا بالمناسبة القريبة، ذاك منشأ أصل الحياة المادّيّة و هذا منشأ ازدهار الحياة المعنويّة، فتناسبا فصحّ الإطلاق في كلا الجانبين. و إن كان في أصل الوضع اللغويّ، أحدهما حقيقة بالمواضعة، و الآخر مجازا (استعارة) بالمعارفة و المناسبة القريبة. غير أنّ الإطلاق في كلا الجانبين إطلاق صحيح رائج شائع، و كلاهما تنبئ عن واقعيّة راهنة لا محيد عنها.
و ليس هناك تخييل مجرّد في فراغ هائم. كلّا لا خداع و لا رميا في ظلام.
ذكر بعض أساتيدنا أنّ كائنات ما وراء المادّة ليست ممّا تدرك بهذه الحواسّ الّتي خلقت مادّيّة و لأجل إدراك ما يناسبها من المادّيّات، أمّا الكائنات الّتي تفوق المادّة، فإنّ هذه الحواسّ- و حتّى الحاسّة الذهنيّة- تقصر عن إمكان إدراكها و حتّى تصوّرها، بهذه الآلات و الأدوات الّتي خلقت لإدراك ما في هذا العالم المادّي فحسب.
إذن فلا بدّ في تصويرها من اللجوء إلى ضرب من التمثيل و التشبيه، من قبيل تشبيه غير المادّي بالمادّي بنحو من التمثيل المقرّب إلى الأذهان، هذا فحسب. فما تلك التعابير عن كائنات ما وراء الغيب سوى استعارات جاءت بالمناسبة، و من غير أن تكون تعابير تنمّ عن نفس مفاهيمها المعهودة في عالم المادّة.