التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٩ - إلمامة بوجوه إعجاز القرآن
اللّه العالم بخبايا الوجود: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ[١].
نعم إنّها رشحات فاضت من عرض بيانه، جاءت عظيمة و فخيمة كلّما تقدّمت ركب الحضارة و تألّق نجم العلم على آفاق الوجود. فإنّ القرآن يسبق الإنسان بخطوات واسعة الأرجاء، و لا يكاد الإنسان يلحق أذياله، مهما جدّ في المسير.
و هذا يعني أنّها شذرات بدرت من طيّ كلامه تعالى، شأن كلّ متكلّم كان قد أحاط بكلّ شيء علما و إن لم تكن مقصودة ذاتا و في صميم المعنى و المرام.
و قد شرحنا هذا المعنى في مباحثنا عن الإعجاز العلمي للقرآن في الجزء السادس من التمهيد.
*** الوجه السادس: أنباء غيبيّة جاءت في القرآن صريحة و قويمة، لم تكن باستطاعة البشر أن يعلمها كما نطق به القرآن جازما جادّا في الإفادة و البيان.
و أنباء الغيب في القرآن- المتحدّى بها- قد تكون عن ماض غابر. كان مشوّها غامضا علته هالة من الإبهام و الإجمال. فقصّة القرآن نقيّا زاهيا، رافعا كلّ إبهام و مبيّنا موارد الإجمال. الأمر الّذي لم يكن يعرفه أحد لحدّ الآن. تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَ لا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا[٢].
و أخرى عن حاضر خاتل دبّرته دسائس أهل النفاق و الخديعة في حوالك الظلام، فكشفته آية الوحي و فضحت مواضعهم الخبيثة في وضح الصباح.
و الآيات بشأن فضح دسائس المنافقين و مكائدهم ضدّ المسلمين كثير في القرآن، و في سورة براءة منه الشيء الكثير:
وَ مِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَ يَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ- إلى قوله-:
وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ[٣].
[١] الفرقان ٢٥: ٦.
[٢] هود ١١: ٤٩.
[٣] التوبة ٩: ٩٩- ١٠١.