التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٨ - إلمامة بوجوه إعجاز القرآن
و هذا معنى إسجاد الملائكة له، و هم القوى العاملة تعمل في صالح الحياة: وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ .... كناية عن خضوع كافّة القوى العاملة، في صالح الإنسان. تجاه القوى المعارضة المضادّة لمصالحه إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَ اسْتَكْبَرَ. فقد كانت جنود إبليس تعمل في مضادّة مصالح الإنسان و إفساد الحياة عليه. فكان عليه أن يكافحهم مبلغ جهده في الحياة.
و من ثمّ فالإنسان في هذه الحياة يمتلك قدرة جبّارة على التسخير و المكافحة معا، فلا يتهاون في هذا و لا يتكاسل عن ذاك. و ليكن على نشاط دائم في عمارة الأرض و ازدهار الحياة، و في كفاح و نضال مع المرديات.
هذا جانب من وصف الإنسان حسبما عرضه القرآن، و لعلّه أجمل وصف و أكمله بشأن الإنسان و حياته هذه الحاضرة، و هي تمهيد للحياة الأخرى الباقية. و لم تشهد البشريّة وصفا أدقّ ممّا وصفه القرآن، و لم يسجّل التاريخ وصفا جامعا و وافيا بشأن هذه الحياة ممّا ذكره القرآن. كما لم يأت من بعد وصف و لا ذكر كهكذا وصف جميل دقيق. هذا بشأن الإنسان و هذه الحياة قبل الحياة الأخرى.
و هكذا أوصاف جاءت في القرآن بشأن المبدأ و المعاد، و الحديث عن سرّ الوجود و حكمة الحياة، و غير ذلك من معارف كان يتطلّبها الإنسان منذ أن وضع قدمه على عرصة الوجود. فوجدها في تعاليم القرآن و محكمات آياته الكريمة. و إذ لم يتأتّ لاي متفكّر جاء بعد، أن يأتي بمثل هذا الجمال في الوصف عن الحياة. اللّهمّ سوى اقتباسات من نصوص الوحي الرشيدة. فكان أكبر دليل على إعجاز هذا الكتاب الخالد مع الأبد.
و فيما سطّرناه في باب الإعجاز التشريعى للقرآن من «التمهيد»، تبيين أكثر. مهما كان ضئيلا في جنب عظمة القرآن المجيد.
*** الوجه الخامس: إشارات علميّة، جاءت عابرة، تكشف عن أسرار مودعة في كمون الطبيعة، لم تكن تعرفها البشرية لحدّ ذاك اليوم، و إنّما كشف عنها العلوم في ظلّ تجارب عنيفة كابدها الإنسان في آماد و أحقاب و لا يزال.
فالإشارة إليها في لسان الوحي المبين، تنمّ عن إحاطة واسعة حظي بها صاحب الكلام، و هو