التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٧ - إلمامة بوجوه إعجاز القرآن
الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا[١]. كناية عن صلاحيّة هذا الإنسان لحمل هذا العبء الثقيل، ممّا يعجز عن حمله سائر الموجودات. أي لا تصلح لهذا الشأن الخطير. نعم كان الإنسان من ذي قبل ظلوما لنفسه حيث موضع جهله بقدره و منزلته في عالم الوجود.
هذا الإنسان بهذه المقدرة الجبّارة، كان موضع مباهاة للّه في خليقته، حيث بارك نفسه في خلقه. إذ خلقه بيديه[٢] و نفخ فيه من روحه ليجعله مثله الأعلى في السمات و الصفات.
ثُمَّ سَوَّاهُ وَ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ[٣]. ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ[٤]. فكان الإنسان ذا خلقة أخرى غير سائر الخلق، و خلقته الأخرى هي نفخ روحه تعالى فيه، ليكون من جنسه و سنخه، متناسبا مع الملكوت الأعلى. و من ثمّ هذا التبجيل و التكريم و تفضيله على كثير ممّن خلقهم اللّه:
وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَ فَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا[٥].
نعم أودعه تعالى العقل و قدرة التدبير، و أردفه بالقدرة على النطق و البيان: خَلَقَ الْإِنْسانَ. عَلَّمَهُ الْبَيانَ[٦]. و هي فضيلة لا يوازيها فضيلة.
كما علّمه الأسماء كلّها و أودع فيه القدرة على معرفة حقائق الأشياء و الوقوف على سماتها و استنباط آثارها، ليستخدمها في مآربه و لازدهار معالم الحياة على الأرض.
وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها[٧] أي ركّز في فطرته القدرة على معرفتها حيثما حاول و شاء.
و من ثمّ سخّر له ما في الكون من أعلى طبقات السماء فإلى أسفل الأرضين.
وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ[٨]. أي جعلكم بحيث تستطيعون تسخيرها في معالم الحياة.
[١] الأحزاب ٣٣: ٧٢.
[٢] ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ... سورة ص ٣٨: ٧٥.
[٣] السجدة ٣٢: ٩.
[٤] المؤمنون ٢٣: ١٤.
[٥] الإسراء ١٧: ٧٠.
[٦] الرحمن ٥٥: ٣- ٤.
[٧] البقرة ٢: ٣١.
[٨] الجاثية ٤٥: ١٣.