التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٩ - إلمامة بوجوه إعجاز القرآن
الأحسن من وجوهها، إلى أن يأتوا بكلام مثله!
و إنّما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة: لفظ حامل، و معنى قائم به، و رباط لهما ناظم. و إذا تأمّلت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف و الفضيلة، حتّى لا ترى شيئا من الألفاظ أفصح و لا أجزل و لا أعذب من ألفاظه، و لا ترى نظما أحسن تأليفا و أشدّ تلاؤما و تشاكلا من نظمه!
و أمّا المعاني فلا خفاء- على ذي عقل- أنّها هي التي تشهد لها العقول بالتقدّم في أبوابها، و الترقّي إلى أعلى درجات الفضل من نعوتها و صفاتها.
و قد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرّق في أنواع الكلام[١]، فأمّا أن توجد مجموعة في نوع منه، فلم توجد إلّا في كلام العليم القدير، الّذي أحاط بكلّ شيء علما و أحصى كلّ شيء عددا.
قال: فالقرآن إنّما صار معجزا، لأنّه جاء بأفصح الألفاظ، في أحسن نظوم التأليف، مضمّنا أصحّ المعانى. قال: و عمود هذه البلاغة الّتي تجمع لها هذه الصفات، هو وضع كلّ نوع من الألفاظ الّتي تشتمل عليها فصول الكلام، موضعه الأخصّ الأشكل به، الّذي إذا أبدل مكانه غيره، جاء منه إمّا تبدّل المعنى، الّذي يكون منه فساد الكلام، و إمّا ذهاب الرونق، الّذي يكون معه سقوط البلاغة[٢].
و تابعه على ذلك ابن عطيّة، قال: وجه إعجازه أنّ اللّه قد أحاط بكلّ شيء علما، و أحاط بالكلام كلّه علما. فإذا ترتّبت اللفظة من القرآن، علم بإحاطته أيّ لفظة تصلح أن تلي الأولى، و يتبيّن المعنى دون المعنى، ثمّ كذلك من أوّل القرآن إلى آخره.
و البشر معهم الجهل و النسيان و الذهول، و معلوم بالضرورة أنّ أحدا من البشر لا يحيط بذلك.
و بهذا جاء النظم القرآني في الغاية القصوى من الفصاحة.
قال: و كتاب اللّه- سبحانه- لو نزعت منه لفظة، ثمّ أدير لسان العرب على لفظة في أن يوجد أحسن منها لم توجد[٣].
[١] يعني بها: النثر و النظم و السجع.
[٢] بيان الإعجاز- ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن: ٢١- ٣٧؛ التمهيد ٥: ٢٣- ٢٦.
[٣] مقدمة تفسيره( المحرّر الوجيز ١: ٥٢). راجع: الجزء الخامس من التمهيد.