التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٨ - إلمامة بوجوه إعجاز القرآن
و أجمل من استوفى الكلام في هذا الجانب من ميزة القرآن، هو أبو سليمان حمد بن محمّد الخطّابي البستي (ت: ٣٨٨ ه) قال في بيان السبب الأوفى لدقيق تعبيره و رحيق تحبيره:
إنّ الّذي يوجد لهذا الكلام من العذوبة في حسّ السامع، و الهشاشة في نفسه[١]، و ما يتحلّى به من الرونق و البهجة، الّتي يباين بها سائر الكلام، حتّى يكون له هذا الصنيع في القلوب، و التأثير في النفوس، فتصطلح من أجله الألسن على أنّه كلام لا يشبهه كلام. و تحصر الأقوال عن معارضته[٢].
و تنقطع به الأطماع عنها. أمر لا بدّ له من سبب، بوجوده يجب له هذا الحكم، و بحصوله يستحقّ هذا الوصف.
قال: و قد استقرينا أوصافه الخارجة عنه، و أسبابه النابتة منه، فلم نجد شيئا منها يثبت على النظر أو يستقيم في القياس و يطّرد على المعايير. فوجب أن يكون ذلك المعنى مطلوبا من ذاته و مستقصى من جهة نفسه. فدلّ النظر و شاهد العبر على أنّ السبب له و العلّة فيه: أنّ أجناس الكلام مختلفة، و مراتبها في نسبة التبيان متفاوتة، و درجاتها في البلاغة متباينة غير متساوية، فمنها البليغ الرصين الجزل، و منها الفصيح القريب السهل، و منها الجائز المطلق الرسل. و هذه أقسام الكلام الفاضل المحمود، دون الهجين المذموم، الّذي لا يوجد في القرآن شيء منه البتّة.
فالقسم الأوّل أعلى طبقات الكلام و أرفعه. و القسم الثاني أوسطه و أقصده. و القسم الثالث أدناه و أقربه. فحازت بلاغات القرآن من كلّ قسم حصّة، و أخذت من كلّ نوع شعبة. فانتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع بين صفتي الفخامة و العذوبة.
قال: و هما (الفخامة و العذوبة) على الانفراد في نعوتهما كالمتضادّين؛ لأنّ العذوبة نتاج السهولة، و الجزالة و المتانة (عمودا فقرة الفخامة) في الكلام إنّما تعالجان نوعا من الوعورة، فكان اجتماع الأمرين في نظمه- مع نبوّ كلّ واحد منهما على الآخر- فضيلة خصّ بها القرآن!!
قال: و إنّما تعذّر على البشر الإتيان بمثله، لأمور:
منها: أنّ علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة و بألفاظها الّتي هي ظروف المعانى و الحوامل لها، و لا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ، و لا تكمل معرفتهم لاستيفاء جميع وجوه النظوم الّتي بها يكون ائتلافها و ارتباط بعضها ببعض، فيتوصّلوا باختيار الأفضل عن
[١] هشّ هشاشة: خفّ و ارتاح و نشط.
[٢] حصر حصرا: عيي في النطق و الكلام.