التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٩ - سورة البقرة(٢) الآيات ٢١ الى ٢٥
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ.
و التحدّي هنا عجيب، و الجزم بعدم إمكانه أعجب! و لو كان في الطاقة تكذيبه ما توانوا عنه لحظة. و ما من شكّ أنّ تقرير القرآن الكريم أنّهم لن يفعلوه، و تحقّق هذا العجز على صفحة التاريخ كما قرّره القرآن، هو بذاته معجزة باهرة لا موضع للمماراة فيها. و هذه هي كلمة الفصل التاريخيّة الخالدة.
و من ثمّ كان المراء فيها بعد هذا الوضوح، لا ينشأ إلّا عن جهالة مقيتة أو غرض خبيث، فكان موضعا لمثل هذا التهديد المخيف: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ.
يعني: فإذ قد أمكنتكم الجهالات و الأحقاد، الجحود و المماراة، فلتسعكم التحرّز عن العقوبات الّتي تنتظركم، و هي من أشدّ العقوبات. و هي النار الّتي تلتهم الحجر الصلد، فكيف بذوي الأجسام النحاف!!
و في الجمع بين الحجارة و الناس هنا دقيقة ظريفة: إذ الّذي يجحد البرهان اللائح، إنّما هو في صورة إنسان، و لكنّه في واقعه حجارة خشناء. فليكن إلى جنبها في الابتعاد عن إدراك الفضائل و المكرمات.
و كذا في التعبير بقوله: مِنْ مِثْلِهِ إشارة إلى أنّ النبيّ محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لو فصل عن مقام رسالته و جحدت نبوّته، لأصبح عربيّا متجرّدا عائشا في أحضان الجاهليّة الجرداء. على غرار سائر العرب لا شأن لهم في ميادين الحضارة الراقية، و لا عهد بالعلوم و المعارف السامية. فشأنه- و الحال هذه- شأن أمثاله العرب العرباء.
إذن فكان يمكنهم أن يأتوا برجل منهم يكافئ محمّدا في مثل حديثه.
و إذ لم يأتوا- و لن يأتوا- فليعلموا أنّما أنزل بعلم اللّه[١]، لا يد لأيّ إنسان عائش على الأرض في نظم مثل هذا التأليف الأنيق الفخيم، و المعجز الخارق القويم.
*** و في مقابل ذلك المشهد المفزع، يعرض المشهد المشرّف، مشهد النعيم الّذي ينتظر أصحاب الإيمان.
[١] من الآية ١٣ من سورة هود.