التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٨ - سورة البقرة(٢) الآيات ٢١ الى ٢٥
وَ السَّماءَ بِناءً وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ[١].
فهذا الكون أرضه مفروشة لهذا الإنسان، و سماؤه مبنيّة بنظام، معينة بالماء الّذي تخرج به الثمرات رزقا للإنسان. و هذا الانسجام و التوائم لممّا يدلّ بوضوح على وحدة الخالق المتعالي، و بالأحرى أن يكون متفرّدا في العبوديّة و اللجوء إليه في جميع الحوائج.
فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
و أنتم تعلمون أنّه لا ندّ له، لا نظير له يعارضه، و لا شريك له يساعده، فالشرك به بعد هذا العلم تصرّف لا يليق، بل هو ظلم عظيم.
و الندّ: المثل، إمّا نظير معارض، أو شريك مساعد.
[٢/ ٥٦٦] و في الحديث: «قال رجل للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ما شاء اللّه و شئت! فقال له النبيّ: جعلتني للّه ندّا؟ ما شاء اللّه وحده!»[٢]
*** و لقد كان اليهود يشكّكون في صحّة رسالة نبيّ الإسلام، و كان المنافقون يساندونهم و يثيرون الريب فيها، كما ارتاب المشركون و شكّكوا من قبل. فهنا يأتي القرآن ليتحدّى الجميع؛ إذ جاء الخطاب عامّا إلى الناس جميعا. يتحدّاهم بتجربة واقعيّة تفصل في الأمر و تفصم مادّة النزاع.
وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
و هذا التحدّي ظلّ قائما في حياة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بعدها، و ما يزال قائما مرّ الأجيال. و هو حجّة قائمة في كلّ وقت، لا سبيل إلى المماحكة فيها. و ما يزال القرآن متميّزا من كلّ كلام يقوله البشر تمييزا واضحا قاطعا. و سيظلّ كذلك مع الأبد. سيظلّ كذلك معجزة خالدة، و تصديقا لقوله تعالى المعجز بنفس التعبير:
[١] الأنبياء ٢٢: ٣٠. راجع مباحثنا عن دور الماء في الحياة، عند الكلام عن الإعجاز العلمي للقرآن، في الجزء السادس من التمهيد: ٣٥- ٤٦.
[٢] أخرجه السيوطي في الدرّ المنثور ١: ٨٨ عن عدّة مصادر بألفاظ مختلفة و متقاربة كما يأتي و اللفظ هنا لأبي نعيم في الحلية ٤: ٩٩ في ترجمة يزيد بن الأصمّ( ٢٥٢).