محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٧١ - الخطبة الأولى
الرسالة نفس كبرت فيها الدنيا، وما تكبر الدنيا في نفس إلا وهي صغيرة، والنفس التي تكبر بهدى من الله وبثقة من الله لا يمكن أن تكبر في داخلها الدنيا.
وفي كلمة عن أميرالمؤمنين (ع) ( (الزاهد في الدنيا من لم يغلب الحرام في صبره)) الحرام قد يتزين، ويزيد في زينته الشيطان، وهو على هذه الحال كثيرا ما يأسر نفوسا قد تكون في ظاهرها كبيرة، فينكشف أنها غير صبورة، والنفس الزاهدة هي التي يغلب صبرها الحرام، يعني أن الدنيا ليست في مذاقها في النفس المؤمنة كما هي على مذاق كبير، وعلى حلاوة شديدة في نفس غير المؤمن. لئن حلت الدنيا في نفس المؤمن فإن له من زاده من الايمان، وإن له من صلته بالله ما يفوق في حلاوته، وما يفوق في لذته ونعمته كل لذائذ ونعم الدنيا.
فالمؤمن كيف لا يصبر عن الحرام، وهناك في نفسه شاغل من لذة، وشاغل من متعة أكبر مما يتحدث عنها الحرام.
( (الزاهد في الدنيا من لم يغلب الحرام صبره، ولم يشغل الحلال شكره)) لا يكن الحلال محطتك النهائية في هذه الحياة، ولا يكن ملفت نظرك النهائي، ولا يكن كل انشدادك الى لقمة وكسوة، فليكن انشدادك لله، وليكن طلبك للمعاني التي عرج إليها أنبياء الله ورسله وأولياؤه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ما اللقمة، ما الكسوة، ما المسكن إلا وسيلة، وحين تتحول في حياة أحدنا الى هدف يكون قد ضيع، ضيع ماذا؟ ضيع أغلى ما عنده، عمره، والفرصة الكبيرة في وجوده التي ترسم مستقبله الابدي، وتحدد مصيره الكبير.
٤- زهد يحتاج الى تفسير:
عن الصادق (ع) ( (الزاهد الذي يختار الآخرة على الدنيا، والذل على العز، والجهد على الراحة، والجوع على الشبع، وعاقبة الأجل على محبة العاجل، والذكر على الغفلة، ويكون نفسه في الدنيا وقلبه في الآخرة))