محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٣٩ - الخطبة الثانية
٤) ومن صِدْق الولاء لله البراءة من أعدائه وأعداء أوليائه وهي براءة من النقص ٥ والباطل والشرّ، ومُحال أن يجتمع ولاء الله وولاء عدوّه، وكذلك ولاء أوليائه وولاء أعدائهم. فلا تَوَافق في النفس بين ولاء إبراهيم عليه السلام وولاء نمرود ٦، ولا بين ولاء موسى عليه السلام وفرعون، ولا بين ولاء محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله، وولاء أبي جهل وأبي لهب وأمثالهما من الأوّلين والآخرين.
٥) فولاء المسلم واضح لا غبار عليه، وبراءته كذلك. فهو يوالي الكمال والحق والخير في نفسه وفي الآخرين، ويتبرأ من خلاف ذلك في نفسه وفي الآخرين ٧، وينظر في كل ولاءاته أن تكون منسجمة مع ولائه لله، أمَّا ما كان مضاداً لولائه عزّ وجل فلا يدخل فيه المسلم ولا يحبّه ولا يعطي له طاعة، وليست له عنده نصرة، بل هي القطيعة والبراءة والبغضاء والعداوة.
المسلم يُحب مما عليه نفسُه خيرها ٨، ويبغض شرها، ويعيب عليها هذا الشر، ويدخل معها في خصومة من أجله، ويلومها ويؤنّبها، ويقسو عليها كلما أصرّت على ذنبها حتّى تُقلِع، وهو يعوذُ بربّه من نفسه الأمّارة بالسوء، ويشكو إليه أمرها، ويستنجد به من أذاها.
وهو لا يحب من أهله وأبيه وأشقائه وبنيه كل ما يأتون، وكل ما يُضمرون، وإنما يحب منهم الخير والحق والهدى، ويبغض منهم الشر والباطل والضلال ٩. ويقف معهم موقف النصرة في الحق، ويخذلهم، أو يكون عليهم في الباطل. نعم هكذا علّمنا الإسلام أن نكون على أبينا، أن نكون على ولدنا، أن نكون على أخينا في باطله؛ ليس أن نخذله فقط، وإنما علينا أن نحارب فيه ذلك الباطل ما أمكن.