محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٠٣ - الخطبة الأولى
أما بعد أيها الأعزاء من المؤمنين والمؤمنات فهذا حديث في الكبر:-
قد يُصاب الإنسان بالكبر وهو داء وبيلٌ لا يقف بصاحبه عن الكمال فحسب، بل ينحدر به انحداراً دائماً حتى ينتهي إلى سفال، ويُسقطه في عيون الناس على غير ما يتراءى له من نفسه وهو واهم، وتستوحش منه النفوس السويّة السليمة.
ومنطلق الكبر في النفس نظر خاطئ إلى الذات وما يعتريها، وما هي عليه في أصلها، وما إليه منتهاها، وإلى الآخرين وما لهم من وزن، وغفلة عن الله وعظمته وجبروته وكبريائه.
فالكبر جهل وغفلة وسذاجة وبلاهة في منطلقه، وفقدٌ للتوازن والاعتدال والواقعية في حقيقته، وشعور كاذب بعظمة ذاتية موهومة، وتصرف شاذّ في العلاقة مع الآخرين يعزل صاحبه في شعورهم، وينحطّ به في تقديرهم، ويوغر عليه صدورهم، لما يشير إليه هذا التصرف من تعال ادّعائي واهم للذات، وازدراء للغير.
ومن كان له قدر حقيقي في نفسه لم يجد حاجة لإظهار التكبّر على غيره، ومن وجد في نفسه ضِعة ربما حاول أن يوهم نفسه بالعظمة، ويمارس التكبر تعويضاً عن الشعور بالنقص الذي يعاني منه، ويضيق به داخله.
وهذه بعض عناوين فرعية في الموضوع، ونصوصٌ مضيئة هادية:-
أولًا: الكبرياء لله وحده
(هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) ١ (وَ لَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ٢.
كبرياء الله عز وجل ليست مستعارة، ولا واهمة، ولا ادعائية، هو الكبير حقا والعظيم حقا وجود مطلق، حياة مطلقة، علم مطلق، إرادة مطلقة، ذات كاملة، أسماء حسنى، صفات