محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٥٩ - الخطبة الأولى
قال تعالى (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) ٢ لا رؤية، لا سمع، لا بصر، لا شعور بقيمة الذات، لا شعور بقيمة الحياة، لا تفكير في المصير، لا معرفة لأكبر الحقائق وأولها: حقيقة الله تبارك وتعالى. هكذا يفعل السكر المعنوي، وغير المرئي لكثير من الناس.
عن امير المؤمنين (ع):" السكر أربع سكرات، سكر الشراب وسكر المال وسكر النوم وسكر الملك" ٣ فالشراب يسكر وسكره الخبيث، وسكره المسقط لقيمة الانسان ليس أكبر سكر، وإنما هناك سكر اكبر قد يكون هذا السكر مقدمة له. فسكر الخمر يجرّ إلى نسيان الله، إلى نسيان الحق، الى الصدود عن الحق. وسكر المال، المال يسكر، المال يصرف عن الاشتغال بالهموم الكبرى، المال يصدّ عن ذكر الله. الاشتغال بالمال، شوق المال، الاندغام في المال، الحب المجنون للمال يعطل من الانسان شعوره الكبير، ويعطل من الانسان تفكيره المنفتح. وسكر النوم، وسكر الملك، وإذا كان للمال سكر عظيم فإن الملك سكره أكبر لأن الملك فيه مال، وفيه شهرة، وفيه سيطرة وسلطان، وهو يثير الغرور ويصحبه الاستكبار والاستعلاء ويحدث جنونا وبطرا حتى لتجد الملوك يستخّفون بالملايين، وحتى لينسى الملوك عظمة الله عزوجل، وتتفرعن في داخلهم مشاعر الذات حتى يحكمهم الوهم والخيال؛ خيالُ أنهم أرباب من دون الله.
" ينبغي للعاقل ان يحترس سكر المال وسكر العلم، وسكر القدرة وسكر المدح وسكر الشباب فإن لكل واحد من ذلك ريحا خبيثة تسلب العقل وتسخف الوقار" ٤ هكذا تضع حكمة أمير المؤمنين (ع) وبصيرته الكبرى أصابعنا على أماكن الداء من نفوسنا. هكذا تعطينا الكلمة عنه (ع) بصيرة واسعة وتجعلنا نغوص في داخل ذواتنا لنتعرف على مواقع السقوط ومواقع الضعف التي نخسر من خلالها انسانيتنا وحاضرنا ومستقبلنا.
سكرالعلم