محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٤٥ - الخطبة الأولى
وكانت بعض الخطط العملية، وبعض التحركات لابد أن تستر، ولو انكشف أمرها إلى الخليفة الظالم لكان في ذلك قتل الإمام عليه السلام، وسحق حركة التشيّع. يعني هذه أسرار عملية، وليست أسرارا فكرية.
هذه الأسرار العملية الحركية كان من الصعب على أهل البيت عليهم السلام أن يسمعوا من مؤمن تسريباً لها، فكانوا يحاربون هذه الصفة: صفة التسريب، وصفة قلة الكتمان في الشيعة محاربة شديدة حفاظا على سلامة الحركة، وحرصا على بلوغ الأهداف النبيلة، وإنقاذ المسلمين مما كانوا فيه من منحدرات سحيقة.
وفي حديث آخر عن الصادق عليه السلام:" ليس هذا الأمر معرفته وولايته فقط حتى تستره عمّن ليس من أهله، وبحسبكم أن تقولوا ماقلنا، وتصمتوا عمّا صمتنا ..." ٦.
الإمام عليه السلام هو القيادة الحكيمة التي يبلغ تقديرها للأمور الموضوعية مبلغاً لايُجارى، وكان بالغ الدقة في التخطيط، وبالغ الدقة في الحركة، وكان على المؤمنين أن ينضبطوا من ناحية حفظ الأسرار، وأنه لم يكن يكفي في إيمان المؤمن أن يحمل عواطف مخلصة حارة مشبوبة اتجاه الإمامة، بل كان على المؤمن أن يحفظ أسرار الإمامة، وتحرّك الإمامة، وتخطيط الإمامة، وماتهدف إليه ممارسات الإمامة.
ولقد كان أصل الإمامة وتشخّص الإمامة في هذا الإمام بذاته أمراً خطيراً جدا، وكان في فضحه هلاك الإمام عليه السلام.
الكتمان ليس مطلقا
" فعن علي بن سويد السّائي، قال كتب إليّ أبو الحسن موسى عليه السلام وهو في الحبس: لاتفش مااستكتمتك،- ثم قال عليه السلام- أُخبرك من أوجب حقّ أخيك أن لاتكتمه شيئاً ينفعه، لا من دنياه ولا من آخرته" ٧.