محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٣ - الخطبة الأولى
وبالغفلة عن الآخرة يطول الأمل الكاذب، ويتغذى الطمع؛ فمالم نستحضر الآخرة وثوابها وعقابها وألمها وعذابها وخيرها تكبر الدنيا في عيوننا، ونكون أبناء دنيا أكثر من كوننا أبناء آخرة، وكلما عظمت الدنيا في نفس صاحبها امتلكت موقع العبادة من نفسه فيكون الانسان الطامع.
الجملة الثانية" .... ورضي بالذُّل من كشف عن ضرّه ...".
نحن نعرف أن الإسلام يرفض الذّل للمؤمن، والمؤمن يكون عزيزا في الناس، متواضعا معهم، ذليلا في نفسه بين يدي ربّه تبارك وتعالى. المؤمن متهم لنفسه بالتقصير، غير مزكّ لها، عامل دائما على الارتفاع بمستواها، حريص على أن لاتخسر سموّها.
وهناك ذلٌّ يتراءى للناس، وذلّ له واقعية في نفس صاحبه، ذلّ يتمثّل في سقوط النفس، وذلّ يتمثل في نظرة الناس للنفس، وكأن الذل الذي تعنيه الكلمة هو الثاني؛ فالمرء يضع نفسه موضع الذّل ويجعل الناس تنظر إليه ذليلًا إذا كشف عن ضرّه؛ فالناس إنما يحترمون الأقوياء، ولا يحترمون الضعفاء، والكشف عن الضّر يعني الضعف، والضعيف غير محترم عند الناس.
فالنظر العادي يستضعف الذات لضرها ومصاعبها، ويسقطها لضعف بدن أو فقر أو مرض، وإن كانت من أسمى الذوات معنى.
فأنت لاتفعل بنفسك خيرا حيث تكشف عن ضرك للناس، والصبر على الضر، والسكوت عليه خير لشرفك وأسلم لشخصيتك.
الجملة الثالثة" .... وهانت عليه نفسه من أمَّر عليها لسانه ...".
وإن النفس لتهون بانكشاف سوءاتها وأسرارها، وسخف القول يسقط صاحبه، ويذلّه ويجرى عليه، واللسان المترسّل المتأمّر تكثر أخطاؤه وسقطاته، ولايُبقي من عورات النفس شيئا.