محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٢ - الخطبة الأولى
رغائب هذه الحياة، وليس من سموّ في شهواتها، فهناك ضرورات وحاجات جسدية وشهوات، بينما هناك غاية وهدف، وأين الغاية والهدف من لذائذ تتقضّى، وشهوات تنتهي، وقد تُعقب سقماً في البدن، وهي معقبة حتماً هبوطا في مستوى الروح.
الطمع، وهو شرهٌ في المادة، وفي الشهرة، وفي ما هو من هذه الدنيا، يصرف عن الله، ويصرف عن هم الآخرة، ويصرف عن كمالات النفس وبذلك تسقط النفس.
وهو من جهة أخرى يُرخص النفس أمام الشهوات، فيكون صاحب النفس مستعدّاً إلى أن يبيع نفسه بأبخس الأثمان، وأن يسقط عن عليائه أمام الشهوات، فلا ينفعه علم، ولا موقع، ولا أي شيء، ولا يعصمه أمام شهوة تستتبيح منه شرفه، وتستلب منه عقله، وتأتي على دينه. هكذا يفعل الطمع بالإنسان، واللب المسحور للمال يفقد قدرته على التفكير، ويفقد أخذ المبادرة بخطو صاحبه، فصاحبه يسلك مسلكاً لايستطيع العقل أن يقاومه لأنه قد تبع النفس وشرهها، وسقط أمام قوة طمعها.
الطمع في الدنيا في أشيائها، في زينتها، في شهواتها، رغائبها له منشأ، هذا المنشأ قد يكون النظرة الكونية الخطأ التي تقدّر المادة، وتنسى الله تبارك وتعالى، وتفصل هذا الكون العريض عن القدرة الإلهية المتعالية، والحكمة الإلهية المطلقة.
هذه النظرة الكونية تجعل همّ الإنسان هو هذه الدنيا، وشهواتها ورغائبها، وقد تكون للإنسان نظرة كونية صائبة، وينظر للكون منسوبا إلى بارئه سبحانه و تعالى إلا أنه وفي مقام العمل يتساهل في بناء سلوكه في خطّ هذا النظر فتنشأ عنده مشاعر ساقطة، ويقوم في النفس حبُّ الأرض، وتتألّه الأرض وأشياؤها في نفس هذا الإنسان حتى تستحكم هذه النظرة التي لاتقوم على عقل، فيجتمع الطمع في أشياء هذه الحياة مع نظرة كونية صائبة دفينة يكون معها الحضور لنظرة أرضية تمتلك الفاعلية في النفس.