محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٨٠ - الخطبة الأولى
نطلق للسان أن يتلّفظ بما يشتهي؟! والكلام في نظر الإسلام من العمل الذي يمثّل مسؤولية على عاتق صاحبه، والذي يشق طريقا لصاحبه للجنّة أو النّار.
وكما يبني العمل النفس ويهدمها فكذلك يبني القول النفس ويهدمها، وكما تأتي الأفعال على الحياة وتذهب بها، أو تحييها وتبعثها، فكذلك الكلمة قد تُميت الحياة، وقد تقيمها، وتُزهق النفوس أو تحييها.
نعم، إن الكلام من العمل، فتقول الكلمة عن الرسول (ص):" من لم يحسب كلامه من عمله كثرت خطاياه وحضر عذابه" ٣. هذا الاستخفاف غير المسؤول بالكلمة، بدورها بفاعليتها، بما تحدثه في النفس، بما تحدثه في ساحة الحياة، بما تغيّره من موازين، بما تحدثه من انعطافات في تاريخ الشعوب وفي تاريخ الأمم؛ هذا الاستخفاف يقود إلى كوارث، ويستتبع عذاباً في الدنيا، ومشاكل قد لاتخرج منها المجتمعات في هذه الحياة، ويستتبع عذابا في الآخرة.
وإن الكلمة لكلمتان مابينهما مابين السماء والأرض وأبعد من ذلك:
(إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) ٤.
كلمة ترقى بصاحبها، ترقى بأوضاع الحياة، تهدي، تُرشّد، تصلح. وكلمة أخرى تسقط بصاحبها من السماء إلى الأرض، وتهوي به إلى منحدر سحيق، تهوي بمكانته في الدنيا، وشرفه في الناس، وتهوي بمكانته في الآخرة حتى لاتستقر به إلا في النار.
كلمة الخير، بنِّية الخير طيّبة تصعد إلى الله عزّ وجل مقبولةً، مُجازاً عليها صاحبها جزاءً لايعلمه إلا الله. وكم من كلمة أنقذت أمة؟! قد تنقذ الكلمة نفسا واحدة، وقد تنقذ أمِّة كاملة، وكم من كلمة أحدثت فتنة في الناس أتت على أخضر الأرض ويابسها، وأتت على خلق كثيرين؟!