محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٧٩ - الخطبة الأولى
أما بعد أيها المؤمنون والمؤمنات فهذا حديث عن الكلام نستضيء فيه بنصوص من كتاب الله والحديث عن المعصومين عليهم السلام: إن لله على هذا الإنسان لنِعماً لاتحصى، وآلاءً لاتُعد. وماوصل الإنسان إليه من نِعَم الله بعلمه فهو الشيء القليل، ومهما امتدّ النظر، واتسعت الفكرة وكان الاستقصاء لنعم الله فإن أحدا لايأتي على جميع نعمه.
من نعم الله عزّ وجل نعمة البيان التي تُمثّل ترجمان الإنسان في أمر دينه ودنياه، وماكانت لتنبنى هذه الحضارة الشاهقة في الكثير من الأنحاء لولا نعمة البيان: (الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ ...) ١.
ولو لم تكن من نعمة لله عزّ وجل على هذا الإنسان بعد خلقه إلا هذه النعمة لكفى أن يبقى ساجدا لله طوال حياته. ولكن الإنسان كفور.
لولا البيان لانحبست الأفكار في الأذهان، وانقطعت تجارب الفكر والعمل لكل جيل سابق عن لاحقه، فكان على كل جيل أن يبدأ حياته من الصفر. ولما كان تفاعل فكري بدرجة كبيرة في المقطع الزمني الواحد، ولضاعت المعارف والعلوم، وكُبتت المشاعر، ولم تتلاقح العقول، ولم يتيسّر بناء أمة، ولم يأخذ فاقد العقول ممايغنى به واجدها مايأخذه من الكثير عن طريق البيان.
دور خطير ورقابة مشدَّدة
البيان كم له من دور خطير، وكم تمثل الكلمة من مسؤولية، وإنها في ميزان الله لشيء عظيم؛ يدلك على هذا الرقابة المشددة التي فرضها الله عز وجل على كل لفظ يلفظه هذا الإنسان.
(ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ٢.
ولولا أهمية الكلمة، ودورها الخطير، ومسؤوليتها الضخمة لما كانت هذه الرقابة المشدّدة التي لايفلت منها لفظ واحد من الكثير الذي نقوله ليلا ونهارا. وكم نقول، وكم