محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٠٥ - الخطبة الأولى
هذه نفس تكون قد فقدت المقاومة لحظة، واختلس منها الشيطان رشدها، فوقعت في الخطيئة لكنها لم تخسر كل النقاء، ولم يهن عليها أمر المعصية حين أفاقت، فهي إلى خير إن شاء الله.
لكن العبد يأتي بالجرم مما سُمّي فقهيا من الصغائر، ويهون على نفسه أن أتى بهذا الجرم، ويستخف بالخطيئة، ولايرى من نفسه أنه غادر الصحيح. هذا الموقف موقفٌ تعيش فيه النفس جهلًا، وتعيش النفس من خلاله استخفافا بالمولى الحق، وهي تفقد من نقائها، ومن استقامتها، ومن رشدها، ومن وعيها، ومن هداها أكثر مما أفقدته إياها معصيتها. فلذلك يقول الحديث" إن الله يحب العبد أن يطلب إليه في الجرم العظيم .." إنه لهذا الطلب الجاد، لهذا الاحتراق النفسي للمعصية، لهذه المعاناة المرة، لهذا الاكتشاف لسقوط الذات، لهذا التمرد عل الذات، لهذه النهضة من العثرة يحبّه الله." لامصيبة كاستهانتك بالذنب، ورضاك بالحالة التي أنت عليها" الذنب كارثة، الذنب مصيبة، ولكن ما هو مصيبة أكبر، وما هو كارثة أشد وأعمق أن يستهين عبد بذنبه، لأن هذه الاستهانة تنطوي على أمر خطير. الذنب كما قد سبق قد يكون عن لحظة غفلة، قد يكون عن غلبة شهوة، لاعن استهانة بالله، قد يكون عن ضعف مقاومة، أما الاستهانة بالذنب فهي استهانة بالله، وهي استكبار أشد، وهي تمرّد أكبر. إذاً لامصيبة كاستهانتك بالذنب ورضاك بالحالة التي أنت عليها، وأن نمكث على الذنب رضىً به. إذا مكثت على الذنب فمعنى ذلك أني أستهين به، وأني أعيش الرضا به، وأني لاألتفت إلى عظمة المولى، وأني أتعامل مع المولى باستخفاف.
" لاتستصغرن سيئة تعمل بها فإنك تراها حيث تسوءك" إن استيقظتُ في هذه الحياة حكمتُ على نفسي بالسوء والهوان لمعصيتها، وعشتُ عذاب ذكرى معصيتي، وذكريات المعاصي عند اللبيب معذّبة، والضمير الحي متعبة، لاتُخفّف منها لذات الحياة، ولاشهرتها. وإن لم أُفق في هذه الحياة فسأراني خاسراً، سأراني حقيرا عند الله، سأراني قريبا من النار،