محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٢٠ - الخطبة الأولى
بذنب من منعني وأنت من وراء ذلك ولي الإعطاء والمنع إنك على كل شيء قدير" فاليسار مطلوب، والفاقة مرفوضة، ولله اللجأ من الفاقة لما فيها من الامتحان الصعب، والتي قد تجرُّ الذلة والهوان، وتعطّل الدور الحياتي الكبير في وجود كثير من الناس.
لكن المطلوب اليسار، وليس المطلوب المال في نفسه بحيث يتجه النهم إلى الأرقام المتصاعدة من المال بلا أن تشبع النفس أو تتوقف عن بذل الجهد بعد الجهد لا لبناء الذات وإنما لجمع المال.
نقرأ في سياق ما هو المطلوب وما هو المرفوض من قضية المال:-
كان من دعاء علي بن الحسين عليهما السلام في مكارم الأخلاق ومرضي الأفعال:" وأغنني وأوسع علي من رزقك ولاتفتني بالنظر وتوّجني بالكفاية، وسمني حسن الولاية، وهب لي صدق الهداية، ولاتفتني بالسعة، وامنحني حسن الدعة، ولاتجعل عيشي كدا كدا".
هناك كفاية تسهل الحياة، وتصون الشرف، وتعين على الآخرة، وتنقذ من الذلة والهوان، وهي مطلوبة، وهناك سعة مفتنة، سعة قد تجرّ إلى الويلات، وتهتك العرض، وتذهب بالشرف، وتفسد الأهل، وتنحرف بالولد، وتنتهي بالذات ومن تولّت عليه أو من رعته إلى جهنم، هذه السعة من المال التي تفسد ولاتبني مرفوضاً.
وصن وجهي باليسار، ولاتبتذل جاهي بالإقتار، فأسترزق أهل رزقك، وأستعطي شرار خلقك فأتتن بحمد من أعطاني".
وأقرأ:" ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى" فالمال ليس ملهاة في حياة الإنسان المسلم.
حين يتحول المال إلى ملهاة، وإلى هدف في نفسه تضيع حياة الإنسان، ويكون هذا الإنسان مصدر شر لأنه يطلب جمع المال من كل وجه، ويستبيح من أجل أرقامه الهائلة كل محرّم، شرف الآخرين، عرض الآخرين، راحة الآخرين، حياة الآخرين.