محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٩ - الخطبة الأولى
هذا المقياس هو المقياس الأول، فطاعة الشيطان تقود إلى أن يغني الإنسان نفسه في متع هذه الحياة، وأن يبيعها بالحياة الدنيا، وطاعة الله عز وجل هو أن لا تتاجر إلا مع الله، وأن تربح الثمن الذي كتبه الله لأوليائه الصالحين وهو ثمن لايمكن أن نبلغ له قدرا، ذلك لأنه من الكريم المطلق، وقد وعد هذا العبد بالعطاء الجزيل، ووعده صادق صادق لا خلف فيه.
" كتب رجل إلى أبي ذر رضي الله عنه يا أباذر أطرفني بشيء من العلم. فكتب إليه: إن العلم كثير ولكن إن قدِرت أن لاتسيء إلى من تحبه فافعل. قال: فقال له الرجل: وهل رأيت أحداً يسيء إلى من يحبه؟ ٤ فقال له: نعم ٥، نفسك أحب الأنفس إليك فإذا أنت عصيت الله فقد أسأت إليها" عن الصادق (ع)
أحدنا لايحب شيئا كما يحب نفسه، وفي نفس الوقت قد لايضر أحدا كما يضر نفسه، ولايشقي أحدا كما يشقي نفسه، وأي إساءة إلى الآخر هي إساءة قبل ذلك للنفس، وأي ضرر للآخر هو ضرر أبلغ بالنفس. والإنسان لايملك مع نفسه شيئاً. فإذا خسر نفسه خسر كل شيء.
فحذار من يوم ندامة ينكشف لي أنه قد خسرت نفسي، فيكون الناس قد خرجوا بأوزان وأقدار رفيعة عند الله، وأكون الوضيع والتراب الذي تدوسه الأقدام ذلك لمن عصى الله، لمن استكبر على الله، لمن أصيب بالغرور في الدنيا.
وفي كل ذنب ظلم للنفس، وخفض لشأنها، ونقص من قدرها، وسقوط لها. في كل ذنب خفة وزن، وفقد للقابلية على الخير، وهبوط في القدرة على المقاومة للشر، وبعد عن الله، وقرب من الشيطان. تقارب من النار، تباعد عن الجنة. في ذنب العين، في ذنب الأذن، في ذنب اللمس، في ذنب كل جارحة، وفي ذنوب الجوانح ما لا يعلمه إلا الله.