محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٦٣ - الخطبة الأولى
نظام الحياة لايقوم إلا على أن يُسخّر هذا لذاك، ويسخّر ذاك لهذا، الذكي ذكاؤه ليس له وحده، والقوي قوته ليست له وحده، القوي عضلياً يعمل ويكد ليصل من جهده إلى المفكّر، والمفكّر يضع النظرية ويصل للاكتشاف، ويوفق للاختراع ليصل من خير تفكيره، ومن أثر تفكيره إلى من لايستطيع هذا المستوى من التفكير.
فضلا عن خدمة الإنسان للإنسان وتسخير الإنسان للإنسان قد تمتد فكرة التسخير المتبادل، والتسخير المشترك إلى سائر الأجناس والأنواع في علاقتها مع الإنسان. فالنملة قد تقوم بدور إيجابي بالنسبة للإنسان، والإنسان المفكر، والإنسان العامل يقوم بدور إيجابي بالنسبة للنملة، الحشرات التي تعيش في بيوتنا، والطير الذي يعيش معنا، والحيوانات التي تقوم عليها حياتنا كما تُقدّم لنا خدمة نقدم لها خدمة، أما الإنسان فلا تقوم حياته إلا على التكامل بين مراده وعلى تبادل نتائج الجهد وثمرات الكسب والكد، وهكذا هو نظام الحياة كما أراد الله سبحانه و تعالى.
فنظام الحياة يتطلب تفاوتا في الرزق، ولولا التفاوت في الرزق والتفاوت في المواهب والقدرات لما كان هناك تعاون، ولما كان هناك تكامل، ولأصرّ كل واحد من بني الإنسان على أن يكون له الموقع الأول في القيادة والريادة.
الشيء الآخر من وراء التفاوت في الرزق هو الابتلاء والامتحان، فالغني مبتلىً بغناه، والفقير مبتلى من خلال فقره. يُمتحن الغني بما في يده، وهل يمسك نفسه أمام غناه، وقد أغناه الله تبارك وتعالى في القسمة العادلة إلى الحد الذي لايتجاوز تحمّله، ويمتحن الفقير بما يفقد وقد أفقره الله نسبيّاً في تكوينه العادل، وتشريعه الحقّ إلى الحدّ الذي لا يتجاوز تصبرّه. هناك درجة من التصبّر عند الفقير والغني، وقد قسّم الله عز وجل الأرزاق بما لايحدث تفاوتها انهيارا للغني، ولاانهياراً لنفسية الفقير، وإذا كان هناك تجاوز عن الحد المعقول في هذا التفاوت فهو من ظلم الإنسان للإنسان، على أنه كلما زاد ابتلاء عبد كلما