محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٤٩ - الخطبة الأولى
هذه الأحاديث تركّز على التوحيد في الرازقية، والتوحيد في الرازقية من توحيد الأفعال. ولافعل في هذا الكون، لاحركة، لاتغيير، لانموّ، لازيادة يمكن أن تحدث بغير إذن الله ومن غير فيضه، فليس من فاعل بالأصل في الكون غير الله تبارك وتعالى.
هذه العقيدة لايتم الإيمان إلا بها، لايتم إيمان المسلم حتى يؤمن بأن لا فاعل في الكون بالأصل إلا الله تبارك وتعالى، وأن كل من كان له فعل في هذا الكون إنما هو بتنزيل من الله، وبفيض من جهته تبارك وتعالى، وأن الله عز وجل مصدر الخير والعطاء كلّه، فإذاً لاخوف من قلة. نحن نخاف على الرزق والرازق هو الله، لِمَ الخوف؟ أتخاف من قلة مما في يد الله؟ أتخاف من بخل في الله؟ أتخاف من إهمال وغفلة ونسيان عند الرازق؟ لاشيء من ذلك فلا سبب لخوفك وهلعك على رزقك.
وإذا كان الرزق خلقا وتقديراً وايصالًا من الله تبارك وتعالى، ونحن نجد غنيّا وفقيرا، وففي ظل ما نعتقد من توحيد الأفعال، وتوحيد الرازقية لايمكن لنا أن نُسند الغنى للغني، وإذا كان غنى الغني غير مستند إليه في الأساس، وأن الحاكمية في ذلك كما في كل شئ لإرادة الله سبحانه و تعالى فلاتبجّح من غني على فقير.
يتراءى للكثير وهو يصل إلى قدر من الثروة أن هذه الثروة إنما اجتمعت له بحوله وطوله وحيلته وسعيه وتفكيره، وينتج العالم كتابا، ويخترع المخترع اختراعا، ويكتشف المكتشف اكتشافا، ويضع المفكر نظرية فيتيه ويتعالى ويتفاخر بأن حدثا كبيرا كان على يديه، ولو فكّر كل أولئك لأرجعوا النعمة إلى الله تبارك وتعالى، وذلك الانجاز الصالح إليه وحده.
فلا تبجّح ولا فخر بغنى، ولاعيب ولا إعابة بفقر إلا أن يُقصّر المرء في السعي إلى رزقه، وأن لا يبذل على طريقه مما منحه الله إياه من فكر وطاقة وقدرة على السعي.
تعهّد صادق