محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٤٧ - الخطبة الأولى
أما بعد فإن قضية الرزق ومتطلبات المعاش لتحتل مساحة كبرى من اهتمام النفس البشرية وانشغالها، وتستنزف في حياة الكثيرين عصارة العمر، وكد العقل والبدن، وقد تسبب كثيراً من مشكلات النفس وأزماتها.
ولابد من تصور قويم معتدل حول هذه القضية تستقيم في ضوئه المشاعر وينضبط مسارها بما يخدم حركة الحياة، ويبعث فيها الحيوية والنشاط، وينقذ النفس من أن تستبد بها مشاعر الخوف والهلع على الرزق المرغوب، أو تستسلم إلى التراخي والكسل، وتكف عن الطلب انتظاراً لتنزّل البركات بالرزق المفقود عن طريق الغيب غير المشهود والمحسوب.
والرزق قد يضيق معناه وذلك في النظر العرفي، وقد يتّسع وهو الحق، فإن النظر العادي يتجمّد في نظرته إلى الرزق على ما هو قريب ومادي، بينما المعنى الصحيح للرزق واسع يشمل ما هو مادي وما هو معنوي. فتقول إن فلانا قد رزقه الله حلما وعلما، وقد رزقه خلقا كريما، وتقول قد رزق الله فلانا ذكرا جميلا في الناس، كما تقول قد رُزق فلان مالا وولدا.
وهذه وقفة مع التصور في هذه المسألة في ضوء طوائف من النصوص يذهب معها الحديث إلى أكثر من بعد تثيره، وأكثر من التفاتة تشير إليها:
أولًا: التوحيد في الرازقية
(إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) ١ ولا رزاق غيره، فلا انتظار للرزق في خلقه، وفي تقديره، وفي إيصاله من غير جهة الله سبحانه و تعالى.
في الوحي القديم" يابن آدم خلقتك من تراب ثم من نطقة فلم أعي بخلقك، أيعييني رغيف أسوقه إليك" خلقتك من تراب، وأنت حينذاك أحوج ما تكون للنموّ، وللحياة، وللتقدير والتدبير والإيصال إلى الغاية، كنت لاتملك عقلا ولا شعورا، لاتملك إرادة ولا