محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٠٧ - الخطبة الأولى
يأتي على شيء من ظلمة نفسه، ولا يعالج سُقمها، بل وهو يصدر في ما هو في ظاهره حسنٌ عن قصد سيء، وغرض دنيء، يزيد حالهُ سوء النفس سوءا، وقبحها قبحا، ودناءتها دناءة، ويضاعف ظلمتها ظلمة.
ولنقف عند بعض العناوين تتمة للحديث:
نفوس مكشوفة:-
ما من نفس إلا وهي معلومة وما انطوت عليه لبارئها، وإن يخفَ من العبد شيء على غير الله، فإنه لايخفى منه على الله شيء. فكل شيء مكشوف لعلم الله، وإنه تبارك وتعالى (يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَ ما تُخْفِي الصُّدُورُ)، وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله" إن الملك ليصعد بعمل العبد مبتهجاً الملك فرح بهذا العبد لأنه عمل عملا صالحاً به فإذا صعد بحسناته يقول عز وجل اجعلوها في سجِّين إنه ليس إياي أراد به ٥" ٦.
من الرياء ما يدقُّ ويغمض لا على الناس فحسب، بل حتى على الحفظة من الملائكة، ولكن لاشيء يمكن أن يخفى على الله إذ كيف يخفى عليه سبحانه ما لايقوم إلا به، ولايكون إلا بقدرته؟ فالوزن الحقُّ لكل نفس والذي لايغادر صغيرة ولاكبيرة، ولا ظاهرة ولا خافية إلا أحصاها إنما هو عند الله خالق النفس ومدبرها والمحيط بأمرها كلّه.
فالحذر الحذر من توهم الهروب من علم الله، ومن تخيّل جدوى محاولة الهروب من علم النّاس لولا ستر الله. كل المحاولات التي يبذلها المرء للتستر على نفسه أمام أعين الناس لاتنجح لو لا ستر الله عليه، ومن هان عليه علم الله بقبيحه عرّض نفسه إلى سخطه، وكشف الستر عنه، والله لايعجزه معاجز.
وما أكبر المصيبة على عبد علم الله بقبح سريرته، وتعظيمه للناس وتصغيره لأمر خالقه، بأن يريد بطاعته غيره، ويكون تقربه بما ظاهره الحسن لمن سواه.