محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٠٦ - الخطبة الأولى
أما بعد فالحديث عن الرياء:-
والرياء أن يُرى الإنسانُ الناس من نفسه الطاعة لله، والإخلاص له، والتفاني في عبادته، وهمّه أن ينال الإعجاب منهم، والمنزلة عندهم، والثقة بينهم. وفي ذلك تعظيم للمخلوق وتصغير للخالق، وثقة بالناس أكثر من الثقة بالله، واستغناء بهم عنه، وركون إليهم لا إليه، واعتمادٌ عليهم لا عليه.
وللمرائي ظاهر من الخشية لله بينما قلبه فاجر كما تفيد الكلمة عن لقمان الحكيم" يابنيّ لاتُرِ الناس أنك تخشى الله وقلبك فاجر" ١.
ولن يكون الإنسان يوم القيامة بوزنه في أعين الناس، وبما ظهر من عمله، وإنما منازل الناس غداً على قدر ذواتهم ٢، ووزنها الحق، وماهو واقعها في الباطن. تقول الكلمة عن الباقر عليه السلام" من كان ظاهره أرجح من باطنه خف ميزانه" ٣.
فما به الاعتبار، وما عليه الجزاء هو الذات، فإذا كانت خفيفة خفّ الميزان، وكبرت الخسارة، وإن ثقلت ثقل الميزان، وعظم الربح، وحسن الجزاء.
والذات الإنسانية بمعرفتها بربها وصدق نيتها، وإخلاص عملها لوجهه الكريم.
ولاينفع نفساً أن يراها الناس جميلة وهي تعلم من نفسها القُبح، فهذه لايمكن أن تعيش روعة الجمال ولذة الحسن، ومِتعة الصفاء، وإنما قبحها يزهِّدها فيها، ويقلل من شأنها في نظرها، وينفّرها منها، ويجعلها مسكونة للوحشة والاحتقار للذات. ولايغنيها وهي القبيحة البائسة المظلمة أن يتراءى للنّاس وهماً منها غنى وجمال، والرياء لايصنع غير ذلك.
ولنسمع إلى علي أمير المؤمنين عليه السلام في الكلمة عنه" ما أقبح بالإنسان باطناً عليلًا وظاهراً جميلًا" ٤. فمن اعتل وقبح باطنه فهو قبيح، وليكن ظاهره ما يكون جمالًا، وليملأ الدنيا عملا صالحاً في ظاهر العيون. فهذا الجمال الظاهري كله لايغسل قبحه، ولا