محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٨٠ - الخطبة الأولى
وعندئذ يكون الحكم في علاقات الأفراد والفئات والمجتمعات تابعاً لمصلحة الأنا في بعدها المادي القريب ولذتها الحاضرة.
والمصلحة المادية والأنا المنشدة إليها لا تحترمان أحدا، ولا تشفقان على أحد، ولا تراعيان عهدا، ولا تعترفان بذمة. المادة جامدة بلا إدراك ولا شعور ولا ضمير، والأنا شعور حاد وإيمان شديد بمصلحة الذات.
وإذا كانت الأنا في ظل هذا الشعور الحاد المتقوقع على مصلحتها لا تؤمن إلا بالمادة، وأن لا مسرح لها إلا في هذه الحياة، فهي لا تحرص على شيء، ولا تسابق على شيء غير ما هو مصلحة مادية، ومنفعة وشهوة في هذه الحياة.
وهي مستعدة أن تقاتل على ذلك، وتسرق وتنهب، وتتحايل وتخون، وتبيع كل شيء مما يعدّه الآخرون من المقدّسات والشرف والكرامة من أجل أن تترف وتتبذخ وتتقلب في ألوان المتع واللذائذ في المسافة الزمنية التي تعيشها على الأرض.
فروح الأنا ليست في عمى دائم عن مصالح الآخرين فحسب، وإنما تدفع أسيرها لتحطيم مصلحة الآخر من أجل مصلحة الذات المادية العاجلة، وتحرق كل الآخرين من أجل هذه المصلحة.
الأنا منغلقة على قضاياها ومصالحها وهمومها، وأكثر من ذلك أنها تنفتح بعين العدوان، وتمتد بيد الشر لتغتال مصالح الآخرين، وتستبيح حياتهم ووجودهم لا من أجل أن تبقى فحسب، وإنما من أجل أن تترف وتستطيل على من تحتاج إلى بقائه في استمرار مصالحها كذلك.
وروح الأنا بطبيعتها من غرس العدل الحكيم الرحيم في الذات البشرية ١، وهي حافظة للنفس عند كل إنسان، ودافعة له لطلب خيره في الدنيا والآخرة.
وشأن هذه الروح شأن ما وهبه الله هذا الإنسان من قوى وطاقات ودوافع ونعم يبقى