محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٠١ - الخطبة الثانية
والأوطان لا تنبني بلا عدل وأمن، والعدل يعطي الأمن، والأمن يساعد على العدل، والحكم يدخل في قلب الشعب بقدر ما يخفّف عنه، ويخدم مصالحه، ويعترف له بكرامته، ويشركه في صوغ حياته العامة، واختيار خطّ حاضره ومستقبله.
والشعوب التي تقطع مسافات من طريق تقدّمها أكثر تطلّبا من غيرها للاعتراف بالحق والموقع، واعتدادا بالنفس والقدرة على المشاركة في البناء، وتمسّكا بالمطالبة بالحرية والاختيار.
ولا شأن لوطن شعبه ميّت لا يطالب بحقوقه، ولا يحرص على تطوير وضعه، والإسهام في بناء حاضره السياسي والمستقبلي، وهو شعبٌ فاشل لا ينفع نفسه، ولا ينبغي أن تفخر به حكومته، كما لا شأن لوطن تُكمّم حكومته أفواه الشعب وتقتل الكلمة.
وسياسة من هذا النوع إمّا أن تفتك بعزّة الشعب وتقتل ثقته بنفسه، وتهبط بروحيته، وإما أن تستثيره وتشعل ثورته، ونرجو أن الحكومة غير راغبة في شعب فاشل ميّت، وأن قد صمّمت بأن مصادرة حرية الرأي لا عودة لها على الإطلاق كما تعلن ذلك التصريحات الرسمية الكثيرة.
كما نرجو لهذا الشعب أن لا يتخلى عن المطالبة العاقلة بالحقوق، والتطوير النافع للمسيرة، وتصاعد خط الإصلاح، وأن يصبر على هذا الطريق متسلّحا بالإصرار والحكمة والتعقّل، والبُعد عن ردّات الفعل المتسرّعة المتشنجة.
وإن روح الحماس في الشعوب ليس لمصلح أو حكومة أن تقتلها، وغياب روح الحماس عن شعبٍ يقتله، ولكن الحماس لا بد معه من عقل، كما لابد مع العقل من حماس. الأول للتدبّر والتبصّر والتخطيط والرأي الصائب، والثاني للحركة والاندفاع على خط العقل. ولو كان عقل بلا حماس لتعطّلت الحركة، وضاعت قيمة الرأي.
والرأي المعطّل لا قيمة له، وما لم تكن إرادة وحماس يتعطّل الرأي الحصيف، وتسقط