محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٩٣ - الخطبة الأولى
تنتظرها، وتقف لها بالمرصاد.
ما لم تلتفت الأمة إلى سنن التاريخ وكيف تنشأ الأمم، كيف تقوم الدول، وكيف تسقط، ما هي القوانين الاجتماعية التي تحكم حركة الإنسان فهي أمة ساذجة، وهي أمة غافلة، والغافل إن يربح قليلا يخسر كثيرا، ولا يمكن له أن يستمر على طريق النجاح.
تتحدث الآية الكريمة، عن قرن وأمة مُكّن لهم ما لم يمكّن لكم، وأُرسلِت عليهم السماء مدرارا، ومن خير كثير أن كانت الأنهار تجري من تحتهم، ولكن الله عز وجل أهلكهم بسبب ذنوبهم، فالأمة المذنبة لابد أن يهلكها الذنب، فالذنب علّة كافية لهلاك الأمم.
وهناك ذنب فردي قد يصل إليالألف، وقد يصل إلى الألفين، لكن هناك ذنبا آخر هو ذنب اجتماعي، حين يتحوّل خطّ المجتمع إلى خطّ مخالف لخط الله؛ فحين يأخذ مجرى التاريخ على يد أمة مجرى غير المجرى الذي حدده الله سبحانه وتعالى وسنه لهذا الإنسان فحينئذ نكون أمام ظلم اجتماعي، أمام ظلم أمة، ولذنب الأفراد عقوبة، ولذنب الأمم عقوبة.
والأمم لا تؤخذ بذنوب بعض الأفراد المتسترين عليها، والمخالفات الجزئية لهم حين تكون محل الإنكار، ولكن تؤخذ بذنب اجتماعي، وبخط عامّ تحتضنه الأمة على ما فيه من انحراف عن خط الله، ولا يكون منكرون يشكّلون خطّاً عاّماً، ولا تكون مواجهة.
(وَ ما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَ أَهْلُها ظالِمُونَ) فالآية الكريمة الثانية من نسق الآية الأولى تتحدث عن سنة تاريخية تربط بين هلاك الأمم وبين ظلمها.
(إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) إذا تغيرت أنفس القوم من حسن إلى سيء كانوا على طريق الهلاك، وإذا تغيرت أنفسهم من سيء إلى حسن كانوا على طريق النجاة.
حركة التغيير تبدأ من الداخل، وحركة التغيير إما أن تكون في الاتجاه السلبي، وإما