محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٦ - الخطبة الثانية
والإداري والتربوي والاجتماعي .. وكل نظم الحياة الإنسانية الأخرى تغنى بها النصوص و القواعد الإسلامية الثابتة، مع عدد وافر من التطبيقات و الفروع، و قد ترك الإسلام للقادرين على الاجتهاد- لا المتطفلين على العملية الاجتهادية- أن يواجهوا الوقائع المستجدة باجتهاد فني علمي رصين أمين منضبط .. يتحرك في إطار الثابت و القواعد الإسلامية العامة المقررة. كما ترك الإسلام للاختصاصات العلمية المختلفة أن تتقدم بعلم الإدارة و السياسة و الاقتصاد و الاجتماع و غيرها من العلوم النافعة.
هذا مع ضرورة التفريق بينما هو المذهب السياسي و ما هو علم السياسة، أو المذهب الاقتصاديو ما هو الاقتصاد مثلًا. فالمذهب يرتبط بتقدير العدل و المصلحة مما يتصل بحاضر الإنسان و مستقبله، الدنيوي والأخروي، و فرده مجتمعه، و جسمه و روحه، وطبيعة تكوينه و دقائق ذاته، و موقعه وغايته، و مشتركات نوعه و مفترقاته. أماالعلم فيتصل باكتشاف القوانين بما يطور من آلية الإنسان وأساليبه في السيطرة على الظروف المحيطة به، و تمكينه من تحسين أوضاعه العملية، و التغلب على مشكلات حياته، و التقدم بمستوى معيشته، و الوفاء بحاجات بدنه و راحته و حمايته، وعلاج أمراضه من جسمية ونفسية وعقليَّة.
والملاحَظ أن انفصال الحركة العلمية المتقدمة عن المذهب السياسي و الاقتصادي و التربوي السليم مثلًا .. يضاعف من مشكلات الإنسانية و يؤزمها. كما أن تعطل الحركة العلمية المادية يجعل الأوضاع المعيشية راكدة متخلفة .. و يوجد عدداً كبيراً من الأزمات الصحية و الاجتماعية و غيرها .. على أن هذا التعطل يمثل تخلفاً واضحاً عن المسار الإسلامي الصحيح و ضروراته الثابتة، و منهجه التربوي والسياسي و الاقتصادي و سائر مناهجه التفصيلية القويمة. الإسلام يصر دائماً على التقدم في الحركة العلمية المادية و هو يكيّف هذه الحركة العلمية المادية تربوياً بما يصب في صالح الإيمان و بناء الإنسان.