محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٣٥ - الخطبة الأولى
وما أشد حاجة المتصدّين للشأن العام من حياة الناس إلى هذا الوجه من العقل الذي تحدثت عنه الكلمة عن أمير المؤمنين بهذا اللسان" ليس العاقل من يعرف الخير من الشر، ولكن العاقل من يعرف خير الشّرّين" ٥.
معرفة الخير من الشر عقل، ولكن العاقل المتميّز هو من عرف خير الشرين ٦، وخير الخيرين ٧، وخرج من تزاحم الخير والشر بنتيجة واقعية واضحة تدفع الضرر الأكبر بالضرر الأصغر، وتطلبُ المنفعة الأهم وإن ضاعت بذلك المنفعة التي هي دونها.
الخسارات متفاوتة، والأرباح متفاوتة وقد لانُدرك ربحاً إلا بارتكاب خسارة، ولاتدفع خسارة إلا بخسارة أخرى. الظروف تقول لك ذلك، والمعادلات الموضوعية تفرضه عليك. والحنكة أن تقارن وتوازن، وتُقدِّم الأهم على المهم، وتدفع الضرر الأكبر بالضرر الأصغر.
الذين لايقبلون أن يرتكبوا ضرراً أصغر لدفع الضرر الأكبر فهم يفقدون العقل، فإن مواقف تفرض إما أن ترتكب الضرر الأصغر وإما أن ترتكب الضرر الأكبر، ورفضك الضرر الأصغر هو قبول بالضرر الأكبر في مثل هذه المواقع، ومن يقدّم هلاك نفسه على قطع يده؟! العاقل لايقدم هلاك نفسه على قطع يده، وإنما يقبل بقطع اليد دفعا لهلاك النفس.
وهذا سار في أمور الدين كما هو سار في أمور الدنيا، تقول لي هذا الموقف فيه ضرر على الدين، أقول لك أنا أقبل به لأن فيه دفع ضرر أكبر عن دين الله، ولايصح أن نحمّل دين الله ضررا أكبر لدفع الضرر الأصغر. وهو جار في الأمور الكبيرة كما هو جار في