محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٥٤ - الخطبة الأولى
١. مُلك النفس أن تقودها ولا تقودك، أن تغلبها ولا تغلبك، وتقرر لها الموقف ولا تقرره لك. أن تأتمر لدينك وعقلك وضميرك، لا أن تأتمر هذه القوى الهادية لنفسك.
ملك أحدنا نفسه بأن لا يعطيها ما تشتهي، وما تهواه فيها من رغائب إلا بعد مراجعة العقل والدين والضمير، بل أكثر من ذلك بأن يبلغ بها أن تنقاد طيّعة لما يقضي به كل ذلك، وأن تنبني مشاعرها ورغائبها وحبها وبغضها تبعاً لذلك، فتكون مترفّعة عن الدنايا، متنزّهة عن القبائح، مشتاقة للسمو، مستمسكةً بالفضائل، منشدةً للمكارم.
٢. وقد يتراءى للمرء في غير مواطن الفتن، وساحات التحدي بأنه سيد نفسه، وأن قيادها بيده، وأنه الرجل الحديدي في قراره. ولكنّ هذا الظن ليس بشيء، والصحيح أن النفس وصاحبها لا يعرف أحدهما الآخر المعرفة الدقيقة، وأن لمن الحكومة منهما على الثاني؛ للنفس على صاحبها في عقله ودينه وضميره وخبرته وعلمه، أم لكل ذلك على النفس إلا في الفتن المثيرة، والتحديات الكبيرة التي تمثل ساعة الامتحان العسير، والمحك الصادق.
والحديث عن المعصوم عليه السلام يضعنا أمام مجموعة من مواقف التحدي والفتن الصعبة لاختبار أنفسنا.
لرغبة المستثارة بفتنة من جمال، أو عظيم من مال، أو كبير شهرةٍ وجاهٍ تستفز النفس في بعدها الأرضي وشهوات الطين فيها، فإن هي لم تُستفز لحرام في هذه الحالة، أو كان الموقف لا كما تُحدِّث به صاحبها من الانهزام أمام الحرام بظهور قوة العقل والدين والضمير عليها ثبت للمرء أنه مالك لها.
وهو كذلك إذا لم تعدل به الرهبة الطاغية عن الحق، وإن لم تنحدر به الشهوة العارمة عن الصراط، ولم يسلبه غضبه عقله ودينه في قوله وفعله، وكان في الغضب والبغض والرضا على حد واحد من التزام دينه، والأخذ بنصيحة عقله، وتمسكه برشده وقصده وجه ربه.