محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٨٣ - الخطبة الأولى
عملية في ساحة الحياة؟
عهد الله موثّق، مؤكّد في العقول، في الفطر، في النفوس، ليس عهدا مكتوبا على ورق، عهد معجون بالفطرة، عهد مكتنز في الذات، عهد مختلط بالدم، عهد تتشرب به كل المشاعر الفطرية عند الإنسان وتحمله الدوافع المعنوية في ذاته، هذا العهد أيبقى عهد بعد نقضه؟! من نقض هذا العهد ماذا تساوي العقود المكتوبة على الورق عنده؟ لا شيء.
فإذاً هي حضارة نقض العهود، والتنكّر للذّمم، والخلف بالوعد، والخروج على الشرط، وحضارة هذا أولها لا يمكن أن تقوم فيها علاقات إنسانية صحيحة.
(يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) الكامل يأمر بوصل ماذا؟ بوصل ما فيه كمال الإنسان، بما هو عدل، بما هو حق، بما هو صلة رحم، بما هو رعاية حقوق، وهذا كله مقطّع، كله مبعثر في حضارة المادة.
حضارة المادة ترمي بالعدل جانبا، تدوس الحق، تقطع الرحم، تبتر العلاقة الإيجابية الصحيحة بين الإنسان والإنسان.
وما هو الناتج المترتب على ذلك بعد نقض عهد الله وقطع ما أمر الله به أن يوصل؟ (وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) خاسرون في ذواتهم، وخاسرون في الحياة الدنيا، وخاسرون في الحياة الآخرة. مجتمع الشقاء، ذلك المجتمع الذي تبنيه النظرة المادية، وشقاؤه هنا قبل أن يكون في الآخرة.
وتجدون أن فساد الدنيا كلّه من فساد الإنسان (ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ).
وماذا عن المنافقين والمنافقات وهم اخوة الفاسقين والفاسقات؟
(الْمُنافِقُونَ وَ الْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَ يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ) ٣ والمنكر ما ينكره