محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٢٥ - الخطبة الأولى
(أَ تُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ (١٤٧) وَ زُرُوعٍ وَ نَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ (١٤٨) وَ تَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ (١٥٠) وَ لا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَ لا يُصْلِحُونَ) ٦.
مجتمع أقام حضارته المادية مفصولةً عن هدى الله، غير آخذ بمنهجه، ولا مستقيم على طريق تقواه، منساقاً وراء قيادة غير مؤمنة، مسرفة على نفسها، متجاوزة لحدِّ عبوديتها، مستكبرة على بارئها ومدبّرها.
إنسان هذا المجتمع فقد الصلاح في نفسه، وملك الفساد داخله، وأُعطبت إنسانيته بماديته فكان دوره الإفساد، ونشاطه للخراب، وناتجه التشويه لرسالة الحياة، وهدف الوجود.
وواضح أن إقامة حضارة مادية باذخة على الأرض فيها إسقاط الإنسان، وإطفاء نور الفطرة في داخله، وتفريغه من جماله المعنوي، وإقبار قابلياته الإنسانية الخيرة لا يعد إصلاحاً، ولا يُعقِب فلاحاً ولا نجاحاً. فالمنحدر عن خط الله، وهو مسرف جزماً، مفسد لا مصلح (الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَ لا يُصْلِحُونَ) ٧.
(أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨) وَ ثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩) وَ فِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ) ٨.
هؤلاء أقوام أشادوا ألواناً من حضارة المادة متفوِّقة على الأرض، على منأى من قيم السماء فانطمست معالم الهدى والنور في ذواتهم، وخسروا الحكمة والبصيرة فكان أن طغوا وأكثروا في البلاد والعباد الفساد، وكانوا وراء الظلم والضلال في الأرض حتى صبَّ عليهم ربُّك سوط عذاب.
(وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ (١) وَ طُورِ سِينِينَ (٢) وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي