محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٣٥ - الخطبة الأولى
مُبِينٍ).
الآيات الكريمة تُركّز على هدف الخلق للإنسان والتربية الإلهية المتجهة به إلى ذلك الهدف.
والهدف هو الرحمة بالإنسان، وتدفق الفيض الإلهي عليه، وهو فيض أول ما يتعلق بالذات الإنسانية للإنسان بما يقوِّمها من عقل متطلع إلى الحق، باحث عن مصدر الوجود والحياة والنور والجمال، ومن قلب لا يعطيه الطمأنينة غير الإيمان، وروح لا تسعد إلا بمعرفة الله وعبادته والانشداد إليه.
وتعلّقه بحاجات الإنسان الخارجية إنما هو من أجل كمال الإنسان في نفسه لكون الرحمة بهذا الكمال هدفا لخلق الإنسان، وإلا فقضاء حاجة الأكل والشرب وما ماثلهما من حاجات الخارج للإنسان لا تكون غاية من خلقه وهي حاجات بدن لا يمثل حقيقة الإنسان؛ إذ أنّ البدن المشار إليه في الآية الكريمة بالبشر مخلوق من طين.
والطين لا يستمد الإنسان إشراقته وسموّه منه، وإنما يستمد ذلك من نفخة الروح، والروح هي التي تزداد سموا وتقبل الخلود، وتترقى في سيرها تجاه الله سبحانه وتعالى.
والبدن بعد اشتداده ينحدر وينهك، وتنهد قواه وتتبعثر بنيته، وتتشتت ذراته.
ويحتفظ المضمون الروحي عند الإنسان بما تحقق له من نضج ورشد وتبلور مع كل تحولات البدن، ويبقى الإنسان يعرف ثبات ذاته الإنسانية، ووحدة شخصيته العائدة للروح في كل أدوار حياته حتى لو تلف من البدن ما تلف، ورضاه عن هذه الذات لو وجدها نقية مشعة عارفة مهتدية، واعتزازه بها لا يتأثر بما يعانيه من نقص في بدنه.
تبقى أنت الكريم في ذاتك، الحقيق بالعزة في نفسك، المحترم في تقييمك، الأكبر من المادة السامقة التي تعظمك وتكبرك حين تجد من نفسك الروح المشعة، حين تجد من نفسك النية الصالحة، حين تجد من نفسك التطلّعات الخيرة، حين تجد من نفسك روحاً لا تعطي