محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٢٤ - الخطبة الأولى
لمضامين قنواتها الإعلامية، وتتلقى منها باستسلام فأنت تماما تجلس إلى الشيطان، إلى حديثه، إلى وسوسته، تخضع إلى ضغطه.
(فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) القوم الظالمون ينسيك الشيطان من خلالهم، من خلال حركتهم، من خلال خطتهم، من خلال إعلامهم ذكر الله، ذكر ذاتك، ذكر الآخرة، ذكر ما يقوّم لك الحياة.
الآية الأخرى: (... فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) نسيان لم يخرج بيوسف عليه السلام عن حد العصمة لكنه يبقى نسياناً مرجوحاً بدرجة من الدرجات. ١
(اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ) الشيطان يلتف على النفس، يغويها، يريها الوهم حقيقة، ويغيم في ناظريها الحقيقة، وتتحول النفس بكل ما فيها من مصادر خير، ومن كنوز هدى، ومن إضاءات إلى لعبة في قبضة الشيطان لمن استسلم للشيطان المرة والمرتين والثلاث.
هذا الإنسان الكبير الذي تعلّم كثيراً، وخبر الحياة كثيرا، وتراكمت عنده التجارب، وقرأ القرآن، وأدمن قراءته، وتعلم الفقه وأكثر من تعلّمه، حين يبدأ جولة من الاستسلام للشيطان يتحول إلى طفل ينسى ذاته، ينسى مصالحه، لا يعرف الخير من الشر. له معرفة فكرية غزيرة، ولكن هذه المعرفة الفكرية الغزيرة لا تلامس النفس، ينبني شعور على خلافها، وتختط النفس لها خطا آخر غير ما عليه الرؤية الفكرية النظرية.
وللشيطان جنود يعملون عمله (وَ أَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَ ما هَدى) فالإضلال والغواية والإلهاء، وإلفات النظر عما هو المهم، وعما هو الجد، وعما هو الحق وظيفة دائمة لخط الشيطان، وجند الشيطان، لفرعون شخصا، فرعون نوعا، فرعون خطّاً.
هذه نصوص عامة تؤكد لنا قيام حضارة على الأرض من صناعة شيطانية؛ صبغتها أنها حضارة النسيان.