محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٢ - الخطبة الأولى
والعلم، أما ما هو موضوع العقوبة من السم فليس السم وحده، وإنما السم يُضاف إليه أن يُعلم ويتعمّد تناوله.
فهذه الآثار التي تذكرها الآيات آثارٌ موضوعية:" وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ".
يُمكن أن نفهم من الآية الكريمة أن الظلم مانع من الهداية، هداية الله عامة متنزلة، وفيضه لا ينقطع ولا قصور فيه، ولكن الظالم لا يستقبل لظلمه فيض الهداية.
الظلم مانع من الهداية كمانع يكون في الجسم من تأثير الدواء. الدواء بطبيعته مؤثر ولكن قد يكون في الجسم ما يمنع من التأثير الإيجابي لهذا الدواء، هداية الله مؤثرة. هناك هداية عامة تتنزل على المؤمن والكافر، هذه الهداية قد لا تقبلها نفس، قد يعمى عنها قلب، قد يكون مانع لروح من استقبالها وامتصاصها، فمن هنا يأتي أن الله لا يهدي القوم الظالمين.
لله هدايات عامة وخاصة. وإذا كانت الهداية المعنية هي هداية خاصة فإن الهداية الخاصة موضوعها أن يتهيء العبد لها، والظلم لا يُهيئ العبد للهداية الخاصة وإنما يسقط استعداداته بدرجة أكبر، وقد يخسر المرء لظلمه كلّاً من الهداية الخاصة والهداية العامة، هذا أثر موضوعي، ولا يلزم أن يكون جزائيا من النوع الجعلي. أو قل أن هنا علاقة تكوينية ولا يلزم أن تكون العلاقة تشريعية، هنا علاقة تكوينية بين القلب العادل وبين قدرته على استقبال النور والهدى، وبين القلب الظالم، وبين فقده القدرة على استقبال النور والهدى، كما أن الجسم يمكن أن يستقبل الدواء مستفيداً منه، ويمكن أن يُداوى ولكن الدواء لا يُجدي لفقد الاستعداد في هذا البدن، أو لوجود المانع.
لابد أن نتفحص حياتنا، ننظر لماذا لا تستقبل قلوبنا درجة أكبر من الهدى، ودرجة أكبر من النور، مع الأسف الشديد فإن الظالم- وكلنا لا يخلو من ظلم- قد يخسر الهداية العامة كما سبق كما أنه يخسر الهداية الخاصة.