كتاب الطهارة( امام خمينى) - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٣٠٣ - حول وجوب إزالة العين مع عدم القدرة على الماء
مراتب، و من المعلوم انتفاؤها في المقام؛ إذ ليس للطهارة الشرعيّة المعتبرة في الصلاة- بالنسبة إلى الثوب و البدن أفراد و لا أجزاء و لا مراتب، كما لا يخفى. و تحقيق الكلام في موضعه [١].
[١] لا بأس بالإشارة إلى هذه القواعد الثلاث و مقدار دلالة أدلّتها؛ ليظهر حال الاستدلال بها للمقام، فنقول:
أمّا النبوي فقد رواه مرسلًا في «الكفاية» (أ) مصدّراً بهذا الصدر، و هو أنّه خطب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم) فقال: «إنّ اللَّه كتب عليكم الحجّ، فقام عكاشة- و يروى سراقة بن مالك فقال: في كلّ عام يا رسول اللَّه؟ فأعرض عنه حتّى أعاد مرّتين أو ثلاثاً، فقال (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم): و يحك و ما يؤمنك أن أقول: نعم؟! و اللَّه لو قلت: نعم، لوجب، و لو وجب ما استطعتم، و لو تركتم لكفرتم، فاتركوني ما تُركتم، و إنّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم و اختلافهم إلى أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، و إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه».
و قد رواه في محكيّ «العوالي» (ب) من دون ذاك الصدر، كما أنّه قد روى الصدر من دون هذا القول مع اختلاف يسير.
و كيف كان، فيحتمل أن يكون المراد بالشيء هي الطبيعة التي لها أفراد و مصاديق، كما أنّه يحتمل أن يكون المراد هي الطبيعة المركّبة من أجزاء، و يحتمل ثالث، و هو أن يكون المراد به الأعمّ منهما، كما هو ظاهر لفظ الشيء، فإنّه من الألفاظ العامّة.
و الاحتمالات المتصوّرة في قوله: «منه» أيضاً ثلاثة: كونها بمعنى التبعيض، أو بمعنى الباء، أو بيانيّة.
كما أنّه يحتمل أن تكون كلمة «ما» موصولة، و أن تكون مصدريّة زمانيّة.
و الأظهر من بين هذه الاحتمالات: هو أن يكون المراد بالشيء معناه الظاهر، الذي يكون أعمّ من الطبيعة البسيطة ذات الأفراد و المصاديق، و من الطبيعة المركّبة ذات الأبعاض و الأجزاء.
- أ كفاية الأُصول: ٤٢٠ ٤٢١.
ب عوالي اللآلي ٤: ٥٨/ ٢٠٧.
كما أنّ الأظهر أن تكون «من» للتبعيض؛ لأنّ كونها بمعنى الباء مطلقاً، أو بيانيّة في خصوص المقام، بعيد، بل لا معنى لكونها بيانيّة هنا، كما هو ظاهر.
ثمّ إنّ التبعيض لا ينافي كون الشيء أعمّ من الطبيعة ذات الأفراد؛ بدعوى أنّ التبعيض ظاهر في الطبيعة المركّبة، فإنّا نمنع أن تكون كلمة «من» مرادفة للتبعيض؛ بحيث تستعمل مكان ذلك المفهوم، بل الظاهر أنّ معناها هو الذي يعبّر عنه في الفارسيّة ب «از».
نعم لا مجال للإشكال في اعتبار نحوٍ من الاقتطاع في معناها، و لكنّه لا ينافي صحّة استعمالها في الطبيعة بالإضافة إلى أفرادها، فإنّها بنظر العرف كأنّها جزء من الطبيعة منشعب منها.
و أمّا كلمة «ما» فاستعمالها موصولة و إن كان شائعاً- بل أكثر إلّا أنّ الظاهر كونها في المقام زمانيّة، خصوصاً بملاحظة الصدر؛ إذ لو كانت موصولة يصير المعنى: أنّه لو أمرتكم بطبيعة فأتوا منها ما استطعتم من أفرادها، مع أنّ ذكره إنّما هو لبيان نفي وجوب الحجّ في كلّ عام، الذي توهّمه عكاشة أو سراقة، بل يكون ذلك مخالفاً للضرورة و الإجماع في أكثر الواجبات، فلا بدّ أن تكون مصدريّة زمانيّة، فيصير المعنى: أنّه إذا أمرتكم بالطبيعة ذات الأفراد أو الأجزاء، فأتوا من تلك الأفراد أو الأجزاء زمان الاستطاعة، ففي الحقيقة يرجع ذلك إلى ما يحكم به العرف و العقلاء في مقدار امتثال الأمر الوجوبي.
هذا ما أفاده سيّدنا العلّامة الأُستاذ (قدّس سرّه).
و لكنّه لا يخفى أنّ التكلّم في المراد من النبوي: تارة يقع فيه من حيث هو مع قطع النظر عن ذلك الصدر، و أُخرى مع ملاحظته، فنقول:
أمّا الكلام فيه من حيث هو: فلا يخفى أنّ لفظ الشيء و إن كان عامّاً، شاملًا للطبيعة التي لها أفراد و مصاديق و الطبيعة التي لها أجزاء و أبعاض، إلّا أنّ الجمع بين كون كلمة «من» بمعنى التبعيض و كون كلمة «ما» مصدريّة زمانيّة، لا يستقيم مطلقاً، فإنّه يصير معناه بناء على ذلك: أنّه إذا أمرتكم بطبيعة ذات أفراد فأتوا من هذه الطبيعة زمان الاستطاعة.
كما أنّه لا يستقيم في الطبيعة ذات الأجزاء أيضاً، فإنّه يصير معناه إذا أمرتكم بطبيعة مركّبة فأتوا من أجزائها زمان الاستطاعة.
فالتبعيض لا يلائم إلّا مع كون كلمة «ما» موصولة، كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام.
نعم لو كانت كلمة «من» بمعنى الباء لكانت ملائمة مع حمل كلمة «ما» على الزمانيّة، بل لا بدّ من حملها عليها بناء على هذا.
و حينئذٍ فنقول: إنّ «ما» موصولة، كما هو الشائع فيها، و كلمة «من» للتبعيض، كما هو الشائع فيها أيضاً، بل هو معناها. نعم حمل الشيء على عمومه و إبقاؤه عليه ينافي ذلك، فيرفع اليد عن العموم، فيصير معنى الرواية: أنّه إذا أمرتكم بطبيعة مركّبة فأتوا من أجزائها ما استطعتم منها.
و يؤيّده: استدلال كثير منهم بهذه القاعدة لوجوب الإتيان بالأجزاء بعد تعذّر بعضها.
و أمّا الكلام فيه مع ملاحظة الصدر المذكور فنقول:
إنّ الظاهر بملاحظة قوله (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم): «و لو وجب ما استطعتم، و لو تركتم لكفرتم»، أنّ المراد به وجوب الإتيان بالطبيعة المأمور بها زمان الاستطاعة، فيكون المراد نفي الوجوب عند عدمها، و لا تعرض له للمقدار الواجب من الأفراد أو الأجزاء، بل يكون المقصود مجرّد اختصاص وجوب الامتثال بزمان الاستطاعة و نفيه عند عدمها.
هذا تمام الكلام في هذه القاعدة التي اشتهر التمسّك بها وبأُختيها في ألسنة المتأخّرين فقط.
و منه يظهر: عدم كون الشهرة جابرة لإرسالها؛ لأنّ الشهرة الجابرة هي الشهرة بين القدماء من الأصحاب- رضوان اللَّه عليهم أجمعين كما حقّق في محلّه (أ).
و أمّا قوله (عليه السّلام) في العلوي: «ما لا يُدرَك كلُّه لا يُترك كلُّه» (ب).
فالظاهر من كلمة «كلّ» و إن كان هو الكلّ المجموعي إلّا أنّه لا يستفاد منه الوجوب؛ لأنّ- أ تهذيب الأُصول ٢: ١٠٠ ١٠٣.
ب عوالي اللآلي ٤: ٥٨/ ٢٠٧.
القاعدة تجري في المندوبات أيضاً، و عليه فيكون المراد بقوله: «لا يترك» هو مطلق مرجوحيّة الترك، كما لا يخفى.
و أمّا قوله (عليه السّلام): في العلوي أيضاً: «الميسور لا يسقط بالمعسور» (أ).
فيحتمل أن يكون المراد به: أنّ الميسور من أفراد الطبيعة لا يسقط بمعسورها، و يحتمل أن يكون المراد به: أنّ الميسور من أجزاء الطبيعة المركّبة لا يسقط بالمعسور من أجزائها.
ثمّ إنّ التعبير بالسقوط يدلّ على الثبوت في محلّ مرتفع؛ إذ بدونه لا يصدق عليه السقوط، و نفي السقوط عن نفس الميسور- كما هو ظاهر العبارة الظاهر في ثبوته بنفسه، إنّما هو لكونه ثابتاً على ذمّة المكلّف، كما ورد في بعض الأخبار التعبير عن الصلاة: بأنّها دَين اللَّه (ب).
فإنّ هذا التعبير و نظائره، ظاهر في ثبوتها بنفسها في ذمّة المكلّف و على عُهدته، بل نقول: إنّ الثابت على الذمّة لا يعقل أن يكون غير الواجب، فإنّ الحكم الذي هو الوجوب عبارة عن نفس الثبوت على الذمّة، و لا يعقل أن يكون الثبوت عين الثابت، كما هو واضح.
و بالجملة: فالرواية ظاهرة في نفي سقوط الميسور بنفسه، و هذا المعنى لا ينافي احتمال كون المراد منها هو الميسور و المعسور من الأجزاء.
وجه توهّم المنافاة: أنّ الميسور من الأجزاء لم يكن ثابتاً على الذمّة أصلًا؛ حتّى لا يسقط بالمعسور منها، بل الثابت إنّما هو مجموع الأجزاء الذي هو عبارة عن الكلّ، و لا معنى لبقائه بعد كونه معسوراً.
بيان عدم المنافاة: أنّ الميسور من الأجزاء و إن لم يكن ثابتاً على الذمّة بنفسه مستقلا، إلّا أنّه ثابت عليها بتبع ثبوت الكلّ، و هذا المقدار يكفي في استناد عدم السقوط إليه، كما هو ظاهر.
- أ عوالي اللآلي ٤: ٥٨/ ٢٠٥.
ب الفقيه ٢: ١٩٥/ ٨٨٤، ذكرى الشيعة: ٧٥، بحار الأنوار ٨٥: ٣١٥، وسائل الشيعة ٨: ٢٨٢، كتاب الصلاة، أبواب قضاء الصلاة، الباب ١٢، الحديث ٢٦.
ثمّ إنّه ربما يشترط في وجوب الإتيان بالأجزاء الميسورة كونها بمقدار يصدق عليها أنّها ميسور الطبيعة بمعنى صدق الطبيعة عليها.
و لكنّه لا يخفى أنّ هذا الاشتراط إنّما يتمّ لو كان المراد من قاعدة الميسور هو الاحتمال الأوّل، الذي يرجع إلى الميسور من أفراد الطبيعة؛ لأنّ الطبيعة لا بدّ و أن تصدق على أفرادها، فلو فرض عدم صدقها على بعض الأشياء لما وجب الإتيان به؛ نظراً إلى هذه القاعدة.
و أمّا لو كان المراد به هو الاحتمال الثاني، فلا وجه لذلك الاشتراط أصلًا، كما أنّ القاعدة الثانية المتقدّمة تعمّ الجميع و تنافي الاشتراط.
و أمّا القاعدة الاولى فلو كان المراد منها: أنّه إذا أمرتكم بطبيعة ذات أفراد فأتوا بها ما استطعتم من أفرادها، فللاشتراط وجه، بخلاف سائر الاحتمالات، فتدبّر.
إذا عرفت ما ذكرنا علمت: أنّ القواعد الثلاث كلّها بعيدة عن المقام بمراحل؛ لأنّ الطهارة المعتبرة في الصلاة ليست بمعنى النظافة العرفيّة حتّى يتصوّر لها مراتب، ثمّ يتصوّر لها الميسور و المعسور، بل أمرها دائر بين الوجود و العدم لا يتعقل لها أجزاء و مراتب و أفراد و مصاديق، فإنّ الثوب و البدن إمّا أن يكونا طاهرين، و إمّا أن لا يكونا كذلك شرعاً، و هذا واضح جدّاً.
ثمّ إنّ الجواب عن الاستدلال بما ذكر، إنّما هو بعد تسليم إمكان كون الطهارة شرطاً للصلاة، و إلّا فلو قلنا باستحالته لما عرفت: من أنّ الطهارة الخبثيّة ليست أمراً وجودياً، بل تكون من الأُمور العدميّة.
و العدم لا يُعقل أن يكون مؤثّراً في الوجود، فلا بدّ أن تكون النجاسة مانعة، لا أنّ الطهارة شرطاً، فعدم جريان القواعد- حينئذٍ أظهر من أن يخفى على أحد، بعد وضوح كون مجراها هو خصوص الواجبات، أو الأعمّ منها و من المستحبّات، فتأمّل جيّداً، [المقرر دام ظلّه].