بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٨٥ - الاستدلال على البراءة بالسنة
الواقعي ضدان، و أخذ عدم أحد الضدين مقدمة للضد الآخر أو قيداً في موضوع الضد الآخر غير معقول كما عرفت في محله.
و إن أريد من هذه العبارة مجرد بيان مطلب واقعي، و هو أنّه متى لم يكن هذا الضد موجوداً، و هو الحرمة و النهي، فالضد الآخر، و هو الإباحة يكون ثابتاً، من باب أنّ عدم أحد الضدين يكون ملازماً مع وجود الضد الآخر.
إن أريد هذا، فهو لغو من الكلام، فإذا لم يكن هناك منع فالإباحة تكون ثابتة لا محالة، و بهذا يسقط هذا الاحتمال.
الاحتمال الثالث: هو أن يكون الإطلاق حكماً مولوياً بالترخيص الظاهري الذي هو مقصودنا في المقام، و هذا ما نسمّيه بالبراءة الشرعية، و حينئذٍ لا معنى لأن نجعل أصالة البراءة مقيّدة بعدم جعل التحريم، و إنّما يتعين بعدم وصول التحريم، لأنّ الحكم الظاهري يكون مقيداً بعدم الوصول لا بعدم الحكم الواقعي، لأنّ الذي يناسب البراءة الظاهرية هو الشك لا العلم، و بذلك يتم الاستدلال بهذه الرواية.
نقول: إنّ هذا الوجه الثاني غير تام، و ذلك لأنّنا نختار الاحتمال الثاني، و نقول بتماميته، و حينئذٍ تكون كلمة (الورود) مرددة بين الصدور، و الوصول، لا أنّها متحققة في الوصول كما هو ظاهر الاحتمال الثالث، و مع التردد تكون مجملة، و حينئذٍ يبطل الاستدلال بها، و لا موجب لإبطال الاحتمال الثاني، لأنّه يناسب مع جعل الورود في المقام غاية بعد الالتفات إلى نكتة، و هي أنّ الغاية هي ورود النهي الذي هو عبارة عن الخطاب الكاشف عن الحرمة الشرعية، يعني: أنّ عالم النهي عالم الإبراز و الكشف.