بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٥٢ - الاستدلال على البراءة بالسنة
و لا ينقض على ذلك
(بالحسد و الطيرة و الوسوسة في الخلق
) حيث إنّ المرفوع نفس هذه الأمور و لم تؤخذ معرفاً و مشيراً، بل أخذت على نحو الموضوعية.
لأنّه يقال: إنّ هذه الأمور ليست عناوين ثانوية
(كالاضطرار و الإكراه و الخطأ و النسيان)،
مما لا بدّ من فرض عنوان أولي سابق عليها، بل هي عناوين أولية في نفسها. إذاً، فالسياق بالنسبة إليها مختلف، لأنّ وحدة السياق المقتضية لمشيرية العنوان الثانوي إلى الذات الثابتة في الرتبة السابقة تختص بغيرها و تؤثر فيما عداها.
الأمر الثاني: و هو مبني على أنّ (الرفع) في حديث الرفع، نكتته، أنّ استعمال كلمة (الرفع) تحتاج إلى نحو ثبوت لكي يرفع، و هذا النحو هو ثبوت الأحكام في أدلتها الأولية، فمثلًا: دليل حرمة شرب المسكر، فإنّه مورد (للاضطرار)، و يكون شاملًا لذلك بإطلاقه، إذاً، فبدليل الرفع نرفع حصة الاضطرار، و حينئذٍ نقيّد الدليل به و بما أنّه لم يثبت في الشريعة دليل يثبت الحكم على الناسي ليكون دليل الرفع ناظراً إليه، فيستكشف من ذلك، أنّ دليل الرفع لم يكن ناظراً إلى النسيان، و إنّما هو ناظر إلى المنسي الذي يمكن أن يكون ثابتاً بالدليل. و قد حاولنا سابقاً استكشاف المقتضي الثبوتي لكلمة الرفع باعتبار أنّ الرفع يحتاج إلى نحو ثبوت للمرفوع، و لذلك قلنا: بأنّ له نحو اقتضاء و شأنية.
إلّا أنّنا هنا نقول: إنّ الأدلة و الخطابات الشرعية كافية للوضع، بحيث يكون حديث الرفع ناظراً إليها و رافعاً لها في موارد انطباق العناوين الثانوية عليها، و حينئذٍ لا نحتاج إلى أن نفرض أنّ هناك ملاكات بحسب الواقع.