بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٨٠ - استدلال بالكتاب على البراءة الشرعية
فيشمل الحكم الظاهري بوجوب الاحتياط، إذاً، فعلى الأول يكون معنى الآية: (حتّى يتبيّن لهم حال الحكم الواقعي)، و هذا ينفي بنفسه وجوب الاحتياط، لأنّ وجوب الاحتياط لا يكون مبيناً للحكم الواقعي، بل يكون منجزاً للحكم المشكوك على مشكوكيّته.
و أمّا بناء على المعنى الثاني. فقد يدّعى أن دليل وجوب الاحتياط يكون رافعاً لموضوع البراءة، لأنّ الاحتياط يكون بياناً ظاهرياً، و يبيّن أنّ المخالفة الاحتمالية ممّا يتقى منها و لو اتقاء استطراقياً.
و لا ينبغي الاستشكال، في أنّ أظهر هذين الأمرين هو: الحمل على الاتقاء النفسي، لأنّ ظهور الآية الكريمة في الإضلال بلحاظ (ما يتقون)، و ما يكون منشأ للعقاب، إنّما هو بلحاظ مخالفة الواقع لا الظاهر، (فما يتقون) أخذ بما هو منشأ للعقاب، و المؤاخذة أنيطت بأن (يبيّن) و هذا لا يكون إلّا بلحاظ الواقع، و حينئذٍ تكون دلالة هذه الآية على نفي وجوب الاحتياط تامة.
و الحاصل: هو، أنّ الإضلال، سواء أخذ بمعنى تسجيلهم في الضالين، أو بمعنى خذلانهم و الإعراض عنهم المؤدّي إلى إضلالهم، فقد أنيط هذا بالبيان لهم، و ظاهره إناطة العقوبة بالبيان لهم، و هو معنى البراءة، و هذه الآية تكون من ألسنتها، بل بناء على المعنى الأول: تكون مادة الإضلال قرينة على ذلك، كما أنّ البيان لهم ظاهر في الوصول و العلم و ليس مجرد الصدور، فالاستدلال بالآية على المطلوب تام.
نعم، يبقى الكلام في أنّ مفاد هذه البراءة، هل هو منافٍ لدليل الاحتياط و حاكم عليه، أو أنّ محكوم له؟